Published On 6/1/20266/1/2026
|
آخر تحديث: 22:17 (توقيت مكة)آخر تحديث: 22:17 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
لندن – منذ مغادرة الاتحاد الأوروبي، تبحث الحكومات البريطانية المتعاقبة عن مخارج من المأزق الاقتصادي الخانق الذي خلفه انفصالها عن السوق الأوروبية الموحدة، ولا يجد عدد من مسؤولي الحكومة البريطانية حرجا في الدعوة للتخلي عن السيطرة على السياسات التجارية المستقلة لبريطانيا، والعودة للاتحاد الجمركي الأوروبي لتدارك تأثير “بريكست”.
ويتعامل رئيس الوزراء كير ستارمر بحذر مع الدعوات التي تتواتر على لسان نواب من حزب العمال وقادة نقابيين ووزراء في الحكومة، والتي تحثه على إعادة تأهيل أوسع للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي تصل حد العودة للاتحاد الجمركي مع التكتل، باعتباره المدخل للسوق الأوروبية الموحدة والحل الأنسب للأزمة الاقتصادية.
رسائل حذرة
في حديثه لهيئة الإذاعة البريطانية، بدا ستارمر حريصا على توجيه رسائل في أكثر من اتجاه، سواء للمتحمسين للقفز على نتائج “بريكست”، ورأب الصدع الاقتصادي مع الأوروبيين، أو للمتمسكين باستقلال القرار الاقتصادي عن بروكسل، الذي ينظر إليه أنصار بريكست أنه مكسب لا يمكن التنازل عنه.
أبدى رئيس الوزراء البريطاني اهتمامه بالدفع بما وصفها علاقة أوثق مع السوق الموحدة، بدلا من العمل على توقيع اتفاق للاتحاد الجمركي، بينما أصر على منح فسحة للاتفاقيات التجارية الموقّعة مع دول أخرى كالولايات المتحدة والهند، لتستكمل وتثبت فعاليتها في تحريك الاقتصاد البريطاني المتعثر منذ سنوات.
ومثلت إعادة مراجعة العلاقة مع بروكسل شعارا انتخابيا رفعه ستارمر وتعهد بتحقيقه، في ظل تعثر الاقتصاد البريطاني المزمن في تجاوز صدمة الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ بادر لعقد قمة في مايو/أيار الماضي مع مسؤولي الاتحاد في لندن، هي الأولى من نوعها منذ خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي قبل 5 سنوات.
وبعد تشدد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون خلال إبرام اتفاق بريكست عام 2020 على التحرر من قواعد الاتحاد الأوروبي بدلا من قبول التوافق معه لضمان تجارة سلسة من دون عوائق بين المصدرين البريطانيين والاتحاد، تقوم فكرة “إعادة ضبط بريكست” التي يطرحها ستارمر على إعادة التوافق مع تلك القواعد، خاصة بشأن صادرات المنتجات الزراعية والغذائية والكهرباء وتجارة الانبعاثات.
تصلب أوروبي
لكنّ الحماسة البريطانية لتدارك اختلالات بريكست سرعان ما اصطدمت بمفاوضات شاقة مع التكتل الأوروبي، وتعثر المحادثات الدفاعية بين لندن وبروكسل بشأن مشاركة بريطانيا في برنامج التسلّح الأوروبي SAFE، بسبب تصلب الموقف الأوروبي في اشتراط مساهمة مالية بريطانية مقابل الاستفادة من هذا المشروع الضخم.
وبعد توقيع اتفاق تجاري ودفاعي بين بروكسل ولندن في مايو/أيار الماضي، تواصل الحكومة البريطانية المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بشأن معايير الغذاء والمنتجات الزراعية والكهرباء وبرنامج لفرص عمل الشباب بين الجانبين.
لكنّ هذه المحادثات أظهرت للبريطانيين أن استئناف العلاقات مع الاتحاد الأوروبي لتجاوز الأزمة الاقتصادية سيكون مهمة شاقة، وهو ما يذهب إليه مدير المركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي (ECIPE) ديفيد هينغ في حديث مع الجزيرة نت، إذ يرى أن طموح البعض لإبرام اتفاق جمركي شامل بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي صفقة صعبة أيضا لا يمكن إنجازها بلا تنازلات.
ويشير الخبير التجاري البريطاني إلى أن الأوروبيين لا يمكنهم القبول بمطلب لندن بتسهيل حركة السلع على النحو الذي تطمح إليه، من دون أن يشمل ذلك أيضا حرية حركة العمالة والخدمات، إلى جانب اشتراط مساهمة مالية بريطانية معتبرة مقابل هذه التسهيلات، وهي شروط تقوض مبدأ بريكست القائم على استعادة لندن استقلالية قرارها الاقتصادي، ووقف تدفق العمالة الأجنبية.
وتمثل المغامرة بالاستقلال التجاري مخاطرة سياسية لحكومة حزب العمال الحالية، في وقت تستعد فيه لاستحقاقات انتخابية محلية من دون رصيد إنجازات اقتصادية يجعلها تطمئن لنتائجها، في ظل صعود غير مسبوق لحزب الإصلاح اليميني الشعبوي.
الضغوط الأميركية
لكن الجهد الذي بذله رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر منذ وصوله للسلطة والرغبة في استثمار هامش الاستقلال التجاري الذي وفره اتفاق بريكست للدفع بالعلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، اصطدم أيضا بالخلافات التجارية مع الإدارة الأميركية التي مارست ضغوطا بلغت حد تعليق استثماراتها في قطاع التكنولوجيا البريطاني، المقدرة بـ31 مليار جنيه إسترليني (41.83 مليار دولار).
ولا تقل قساوة المفاوضات مع الأوروبيين عن تلك التي تخوضها حكومة ستارمر مع الأميركيين، إذ تقاوم لندن ضغوط إدارة ترامب لإلغاء الضريبة الرقمية المفروضة على شركات التكنولوجيا الأميركية، في وقت سعت فيه إلى إبرام اتفاق تجاري مبكر مع واشنطن يجنّب الصادرات البريطانية فرض رسوم جمركية أميركية عقابية.
وبعد أن سخّرت بريطانيا القوة الدبلوماسية الناعمة لمؤسستها الملكية لاستمالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال استقباله للمرة الثانية بالقصر الملكي في زيارة وُصفت بالتاريخية، كشفت صحيفة التايمز أن الملك تشارلز الثالث سيضطر هذه المرة إلى زيارة واشنطن بنفسه في أبريل المقبل، في محاولة لضخ دماء جديدة في الاتفاقات التجارية الثنائية المتعثرة.
ويشير مدير المركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي (ECIPE) ديفيد هينغ إلى أن الحكومة البريطانية تحاول الموازنة بين إعادة تأهيل علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، بما يحقق للاقتصاد البريطاني مكاسب مباشرة يُعول عليها في تحريك عجلة النمو، وبين حرصها في الوقت نفسه على عدم تقييد نفسها بشروط الاتحاد الأوروبي الصارمة، وهو ما قد يفرض عليها الانسحاب من بعض الاتفاقيات أو مراجعتها، أو يؤدي إلى تعثر المفاوضات بشأنها.
بدورها، تؤكد مديرة برنامج التعاون الأوروبي في المركز الأوروبي للسياسات الخارجية (ECFR) سوزي دانيسون، في حديث مع الجزيرة نت، وجود رغبة مشتركة بين بريطانيا وأوروبا لإصلاح العلاقات المتوترة، التي ميزت مرحلة ما بعد بريكست، في ظل التحديات الجيوسياسية التي تواجه القارة، لكنها تشير إلى أن الطرفين يبدو عالقين في التفاصيل والحسابات الدقيقة التي يصعب تجاوزها.
وترى الخبيرة الاقتصادية أن البريطانيين يعانون من معضلة المواءمة بين الرغبة الأميركية في إبرام اتفاقيات تجارية أكثر تحررا من الضوابط في القطاع الصحي والرقمي والغذائي، بينما يفرض الاتحاد الأوروبي قواعد صارمة، وأي انضمام للاتحاد الجمركي سيقيّد حرية الحكومة البريطانية في إبرام اتفاقيات تجارية ثنائية ويدفعها لحل بعضها أو مراجعتها.

