تختلف الجريمة الكوميدية في التناول السينمائي عن بقية الجرائم التقليدية، فهي تحتمل المُبالغة والسخرية ولا تخضع كثيراً للمنطق، وربما تتميز بهذه الخصائص لتعدد الخيوط الدرامية بها، وتقاطعها مع الحدث الواقعي في كثير من الأحيان.
فيلم «بطل من ورق» الذي أنتج عام 1988، وكتبه المؤلف إبراهيم الجرواني، وأخرجه نادر جلال، وقام ببطولته ممدوح عبد العليم وآثار الحكيم وأحمد بدير وصلاح قابيل، كان نموذجاً قوياً لتطويع الكوميديا كمحور رئيسي للجرائم التي يرتكبها بطل القصة، ذلك المؤلف الافتراضي الذي يكتب بإيحاء الكاتب الحقيقي، ويستغل كل فصول القصص والروايات كسيناريوهات لجرائمه، فلا يُنفذ جريمة واحدة، إلا بعد أن ينتهي المؤلف من كتابة تفاصيلها ونهايتها وفق تصوره الخاص.
المؤلف الموهوب «رامي قشوع» في فيلم بطل من ورق، الذي جسد دوره ممدوح عبد العليم، هو من يُقرر متى تبدأ الجريمة وكيف تنتهي، غير أنه يُحدد مسار الجاني ومواصفاته والأسلوب الذي يرتكب به جريمته.
أما المجرم المُثقف الذي يستوحي أجواء جرائمه، وطُرق وأساليب ارتكابها ومواقع حدوثها فهو أحمد بدير، الذي يتقمص شخصية المؤلف نفسها ويُنفذ الجرائم المكتوبة بالتفصيل الدقيق، الموعد والمكان والحدث والشخصيات وشكل الجريمة وطبيعتها وضحاياها.
ويأتي دور الصحافية آثار الحكيم، كمُتابعة لوقائع الأحداث، بوصفها مُتخصصة في تغطية الحوادث وخبيرة في تصويرها على صفحات الجريدة التي تعمل فيها كما تمت بالضبط.


إذن هناك ثلاثة أطراف معنيون ببلورة الحدث الإجرامي المُنتظر وقوعه بين لحظة وأخرى، حسب رؤية الجرواني كاتب القصة السينمائية، والمخرج نادر جلال، مايسترو العمل ومُحرك الشخصيات والمسؤول عن الإيقاع الدرامي بدرجاته المُتباينة. وبين ترقب المُجرم لما يكتبه المؤلف «رامي قشوع»، وحالة الارتباط القوية بين الشخصيتين، يتولد السؤال الأهم، هل بالفعل يوجد ارتباط نفسي بين المؤلف المُتخصص في الكتابة البوليسية، والمُجرم الذي يظهر فجأة في حياته كقرين يطلع على كل ما يخطه بيده فلا يكتب بغير تأثيره عليه؟
هذا ما يتم تضمينه في الأحداث كحالة غريبة وفريدة، يندهش منها قشوع ويُصبح أسيراً لها طوال أحداث الفيلم، من دون أن يعلم عن سرها شيئاً يُذكر، ومن جانبها تظل الصحافية تُراقب وتُسجل الوقائع علها تصل لإجابة عن السؤال المُحير. وبالإلحاح والترهيب يتمكن المجرم المُحترف أحمد بدير، من السيطرة الكاملة على المؤلف الشاب، فيوهمه بأنه هو من يكتب نيابة عنه، وأنه ليس أكثر من أداة طيعة في يده، ومن ثم لا بد أن يُلبي رغباته في كتابة السيناريو المُحكم للجريمة التي ينوي تنفيذها. وفي حالة العصيان يكون القتل والتفجير وإشاعة الفوضى، هو رد الفعل الفوري على عدم الانصياع للأوامر، مأزق كبير يوضع فيه المؤلف المغلوب على أمره والموهوم بأن ثمة ارتباطا بينه وبين القاتل السفاح، يُمكن أن يكون قائماً، على خلفية ما يطلع عليه الأخير من تفاصيل حياته وخصوصياته المهمة والسرية للغاية، بما في ذلك علاقته بمحررة الحوادث آثار الحكيم، التي تقتفي أثره وتتبع خطواته.
وبمرور الوقت والتصاعد الدرامي للأحداث، يحدث التغير النوعي في طبيعة التناول، فلا تستمر فكرة الارتباط الشرطي المزعوم بين الرجل العدواني المُتسلط والمؤلف الشاب، كخط أساسي في الفيلم، إذ سرعان ما تتدخل الشرطة لوضع حد لعمليات التهديد، فتتعامل بدورها مع القضية باعتبارها قضية بوليسية، بطلها لص وقاتل يستهدف ابتزاز المؤلف بالترهيب والإيهام. وعلى هذا الأساس يتم تحويل المسار الدرامي، من حالة نفسية إنسانية مُعقدة تحتاج لدراسة مُتعمقة لمعرفة أسبابها وظروف حدوثها، إلى جريمة صريحة لا تخرج عن كونها تمثيلية من اللص المُحتال لإنجاز مهامه الإجرامية بسهولة ويسر، وإلصاقها بالمؤلف الذي يكتب الأحداث ويرسم الشخصيات ويُحدد مسرح الكارثة ووقائعها.
ولولا أن القصة التي كتبها إبراهيم الجرواني اتسمت بالطابع الكوميدي، لكان من الممكن تحويلها إلى فيلم رُعب، أكثر تأثيراً مما حققته الحالة الكوميدية بنمطها المُثير للضحك حيناً، والخوف أحياناً أخرى، ذلك لأن الأحداث بدأت بالتوتر والقلق وانتهت بالقتل، قتل اللص على يد ضابط الشُرطة صلاح قابيل، في واحد من أدواره المُقنعة، رغم ضيق المساحة وقلة المشاهد التي ظهر فيها كعنصر فاعل في الأحداث.
لقد لعبت المؤثرات الفنية دوراً أساسياً في خلق التفاعل بين الجمهور وفصول الجريمة المُرتقبة على مدار 120 دقيقة هي زمن الفيلم، وبصفة خاصة الموسيقى التصويرية لحسن أبو السعود، بالإضافة إلى المونتاج الذي دعم بشكل واضح مشاهد الخوف والتوتر والقلق والترقب، وعزز من صدق الأداء لدى الأبطال والمُمثلين المُساعدين، فاكتملت الصورة النهائية وجاءت كما أرادها المخرج نادر جلال واقعية كما ينبغي.