تظل عملية تقديم نص “الأيام المخمورة” للكاتب السوري الراحل سعد الله ونوس (1941-1997) محفوفة بالأخطار دائماً بالنسبة إلى أي مخرج مسرحي، وأعني الأخطار الفنية، ففي هذا النص، الذي أنهى به سعد الله ونوس رحلته مع الكتابة، هناك سعي واضح إلى كسر الأطر التقليدية للكتابة المسرحية، أسفر في النهاية، عن نص مركب ومعقد، ليس على مستوى التأويل، فالتأويل مفتوح، حتى لو تعددت الرؤى حوله، ولكن على مستوى البناء نفسه، وهو ما يتطلب، عند إخراجه، كما لمح ونوس في حواراته، مقاربة مختلفة عن المقاربات التقليدية.

كل نص مختلف، في طبيعة بنائه، عما هو معتاد من نصوص، يتطلب، بالتأكيد، وعياً من مخرجه إلى طبيعته المغايرة، التي يستعصي على الأطر الإخراجية المعتادة مسرحته بما يتوافق وتلك الطبيعة.

thumbnail_مرآة 13.jpg

لعبة مسرحية (خدمة الفرقة)

المخرج الشاب محمد عصمت قدم عرضه “مرآة وجرس إنذار” عن نص “الأيام المخمورة” مع فريق المعهد العالي للفنون المسرحية (فرع الإسكندرية) على مسرح النهار وسط القاهرة، واعياً إلى هذه الإشكالية، بداية من اشتغاله على النص (دراماتورجيا وأشعار أشرف علي) مروراً بصياغة الفضاء المسرحي، وانتهاء باختيار الممثلين.

على مستوى الكتابة، جاء نص العرض في فصل واحد، مختزلاً بعض الفصول والأحداث في النص الأصلي (26 فصلاً، أو بمعنى أدق مشهداً) استغنى عن الفصول الثلاثة الخاصة بالأراجوز، التي يعلق فيها على بعض الأحداث، وهي فصول القبعة والطربوش، وجريمة العصر، والملاعب والخواتيم، واستبعد شخصية الخالة سلمى، التي تركت منزل العائلة هي الأخرى، كما فعلت الأم نفسها، واقتصر حوار الحفيد في بحثه عن ماضي العائلة مع أمه فحسب، لا مع غيرها من أفراد العائلة، واستبدل بالساحرة التي جاء بها الأب لعلاج ابنته، دجالا (محمد نصر) وعمد في أحد المشاهد إلى تأكيد أن المرأة الشبحية (آية علاء) التي تلازم الأم وتحرضها على الذهاب لعشيقها، هي الأم نفسها المنقسمة على ذاتها بين الالتزام بالتقاليد وبين تلبية نداء الجسد، وسواها من التغييرات، التي أظنها لم تمس الرؤية الكلية التي حاول ونوس إيرادها في نصه.

يهتز ويتراقص

وإذا كان ونوس ترك نصه مفتوحا، كما جاء على لسان الأراجوز “الحقيقة إبرة ضاعت في مزبلة” فإن نص العرض، وكما جاء على لسان الحفيد، أكد أن الكل يهتز ويتراقص، كما لو أن الماضي يمتد في الحاضر، ولازال، حتى الآن، يلقي بظلاله عليه، فالحفيد، الذي بدأ العرض بقوله إنه أيقن أن في العائلة “دملا” يتستر عليه الجميع، وأنه لن يستقر في اسمه وهويته إلا إذا اكتشف الدمل وفقأه، يعود في النهاية ليؤكد أنه كلما فقأ دملا، عاد آخر إلى الظهور، وكأننا أمام حلقة متكررة، وحاضر، على رغم ما يبدو على مظهره من حداثة، لا يفتأ يعيد إنتاج الماضي.

thumbnail_مرآة 11.jpg

مواجهة على الخشبة (خدمة الفرقة)

احتفظ نص العرض بالفترة الزمنية التي دارت فيها أحداث النص الأصلي، بداية الحرب العالمية الثانية، ووصول المفوض السامي الفرنسي دانييل مارتيل إلى بيروت والشام، وصولاً إلى تسعينيات القرن الماضي، زمن وجود الحفيد، ذلك الزمن، الذي بدا كما لو كان ممتداً إلى الآن، وهو ما يشير إليه العنوان “مرآة وجرس إنذار”، فعلى رغم مباشرة العنوان، وربما عدم فنيته، وعدم ملاءمته لنص مركب ومعقد، فإن قبوله يبدو ممكنا، من حيث إنه، وبشكل لا يريد تعقيد الأمور أكثر مما هي معقدة، يعمد إلى توجيه المشاهد إلى النظر في تلك المرآة ليرى نفسه على حقيقتها، من دون تجميل، فربما النظر فيها ملياً، يكون بمثابة جرس الإنذار الذي ينبهه إلى أن “ما أشبه الليلة بالبارحة” فهو يعيش في مجتمع، لا زال غارقاً في فساده، وضياع هويته، وانهيار قيمه، أي إن حاضره ليس أقل بؤساً من ماضيه.

لا شيء تغير، منذ السعي إلى “العصرنة” أو استبدال القبعة بالطربوش، تغير المظهر، وبقي الجوهر على حاله، فالكل يرقص ويهتز، والأيام مخمورة ما زالت.

ديكور ثابت

اكتفى المخرج بمنظر واحد ثابت (ديكور أنطون عياد)، وهو اختيار موفق، ساعده في النقلات السريعة، بين هذا المشهد أو ذاك، وكذلك في إدارة أكثر من مشهد على التوازي، مما أسهم في ضبط إيقاع العرض، وجريانه كما لو كنا أمام شريط سينمائي. في عمق المسرح تكوينات على مستوى مرتفع، أشبه بغرف ثلاث، كل واحدة تخص مكاناً مختلفاً، حجرة الجد، حجرة الجدة مع عشيقها، حجرة الأم مع زوجها، ومساحة خالية في المنتصف، تستخدم في أكثر من مشهد، ومنها مشهد قتل الابن سرحان لشريكه في تجارة المخدرات (البوري – خالد عباس) وفي أقصى اليمين مقهى، وفي أقصى اليسار حانة ممتدة إلى أسفل الخشبة كمساحة لجلوس الرواد والفرقة الموسيقية، التي قدمت الأغاني والموسيقى حية (موسيقى يوسف الحداد، غناء منة جمال ومصطفى عيد) مستخدماً الإضاءة (تصميم أحمد صبحي) في الانتقال من هذا المكان إلى ذاك، من دون الاضطرار إلى الإعتام، ومراعياً مصادر الإسقاط، وكذلك الألوان، في التعبير عن هذه الحالة أو تلك، لتشكل الإضاءة مع الديكور، إضافة للملابس (علا علاء) والاستعراضات (أحمد عبدالرحيم) جزءاً رئيساً في بنية العرض، وظيفياً وجمالياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يبدأ العرض بالحفيد (مصطفى صبري) متذكراً قدوم من عرف أنها جدته سناء (نورهان محسن) التي أحضرتها ابنتها بعدما تقدم بها العمر، ثم تتوالى الأحداث من خلال هذه النقطة المركزية، وعبر أسئلته وهو طفل (تيم أحمد) لوالدته ليلى (جنى فريد) عن عدم زيارة أحد من أقاربهم لهم، لتتكشف الحكايا أمامه، وبين كل حكاية وأخرى يتدخل الحفيد الراوي ليطرح بعض الأسئلة، فالحكاية، كما هو معروف، عن عائلة تاجر يقيم في بيروت (عبدالقادر – مكسيم عبدالمسيح) ارتبط بزوجته ابنة أحد تجار الشام، وكان الزواج أقرب إلى الصفقة التجارية بين العائلتين، وعلى رغم حبه لها فإنه لم يصرح بذلك، قاطعا كل علاقة روحية بها، مكتفياً بالعلاقة الجسدية، تهرب الزوجة مع عشيقها (حبيب – يوسف نصار) بعدما تستجيب لنداء الجسد، ولا ينشغل الزوج بالبحث عنها، ويلجأ أحد أولاده (سرحان – أحمد عوني) إلى تجارة المخدرات وبيع اللذة، بينما يظل الابن الآخر (عدنان – عبدالرحيم هريدي) يعمل شرطياً، إلى أن يسقط في النهاية، في شرك سونيا (آية مكي) بائعة الهوى، لينتهي الأمر بانتحاره، أما الأم فقد تزوجت بشرطي زميل شقيقها (شامل – يوسف خميس) يتم قتله لمقاومته الاستعمار الفرنسي، وتنقطع الأم لتربية ابنها، واجترار أحزانها على ما آلت إليه أحوال العائلة.

وعلى رغم الفواجع التي أصابت العائلة، فقد نجا العرض من فخ الميلودراما، أخذاً في الاعتبار أن الشخصيات هنا ودوافعها ومصائرها، ليست إلا تجسيداً للفكرة التي أراد العرض طرحها، فهي هنا ذلك المجتمع، فاقد الهوية، المتأرجح والمهتز، والذي لم يرزق من التحديث سوى مظهره، بينما ظل الجوهر غارقاً في فساده وجهله، من دون القدرة، أو حتى الرغبة، في النظر إلى المرآة، والاستماع إلى جرس الإنذار، لعله يفيق ويتوقف عن الترنح.