Published On 7/1/20267/1/2026
|
آخر تحديث: 17:07 (توقيت مكة)آخر تحديث: 17:07 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
تشهد السينما المصرية في الوقت الراهن انتعاشة لافتة، لا سيما على مستوى عدد الأفلام المطروحة في دور العرض وتنوع تجاربها. ففي سابقة ملحوظة، يُعرض خلال ثلاثة أسابيع متتالية ما مجموعه ستة أفلام مصرية جديدة، وهو رقم يعكس حراكًا إنتاجيًا واضحًا بعد سنوات من الركود النسبي. وتفتح هذه الكثافة المجال أمام الجمهور للاختيار بين تجارب متعددة، من بينها أعمال لمخرجين ومخرجات جدد يسعون إلى تثبيت حضورهم على الساحة السينمائية.
في هذا السياق، يأتي فيلم “إن غاب القط” كأحد أحدث الأعمال المعروضة حاليا في دور السينما، مقدمًا تجربة تنتمي إلى أفلام السرقة. ويحمل الفيلم توقيع المخرجة سارة نوح في ثاني تجاربها السينمائية، ويشارك في بطولته آسر ياسين وأسماء جلال ومحمد شاهين وعلي صبحي، إلى جانب سماح أنور وحمزة دياب.
“إن غاب القط” وأفلام السرقة
ينتمي فيلم “إن غاب القط” إلى نوعية أفلام السرقة (Heist Films)، وهي فئة سينمائية متفرعة من أفلام الجريمة والأكشن، تعتمد في جوهرها على حبكة تقوم على سرقة معقدة، تبدأ عادة بمرحلة التجميع والتخطيط، ثم التنفيذ، وصولًا إلى ما يترتب على ذلك من عواقب، سواء تمثلت في مطاردات من قبل السلطات، أو خيانات داخل الفريق، أو انكشاف الأسرار.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
ويراهن هذا النوع من الأفلام على الذكاء والدقة في التفاصيل، وعلى تصعيد درامي قائم على المفاجآت والتحولات غير المتوقعة. وغالبًا ما تُقدَّم السرقة هنا بوصفها لغزًا يتكشف تدريجيًا أمام المشاهد، لا مجرد فعل إجرامي مباشر. كما تمنح هذه الأفلام شخصياتها دوافع تتجاوز المكسب المادي، مثل الطموح أو الانتقام أو إثبات الذات، وهو ما يضيف بعدًا نفسيًا وفكريًا للتجربة.
في “إن غاب القط”، نتعرف على سارق متاحف محترف يُلقب بـ”القط” (آسر ياسين)، متخصص في سرقة اللوحات الفنية النادرة، ويطارده شهاب (محمد شاهين)، المسؤول في شركة تأمين على الأعمال الفنية. غير أن “القط” ليس مجرد سارق تقليدي، بل شخصية مزدوجة؛ فهو من جهة لص محترف، ومن جهة أخرى الطبيب البيطري زين، المرتبط بعلاقة عاطفية مع خبيرة ترميم اللوحات هند (أسماء جلال).
تنطلق حبكة الفيلم من سرقة لوحة “زهرة الخشخاش” لفان غوخ، في بناء درامي يتسم بالتوازن؛ فلا هو معقد إلى حد الإرباك، ولا مسطح أو مباشر. وهو ما يُحسب للفيلم، بل يمكن اعتباره مفاجأة إيجابية، خاصة عند مقارنته بتجارب سابقة لكاتب السيناريو أيمن وتار، التي اتسمت في أحيان كثيرة بالتبسيط المفرط، كما في “فضل ونعمة” و”نادي الرجال السري”.
ما يميز توظيف أفلام السرقة في “إن غاب القط” أنه لا يسعى إلى استنساخ النماذج العالمية بصورة حرفية، بل يعمل على تكييف قواعد هذا النوع السينمائي داخل سياق محلي مألوف. ويتجلى ذلك في اختيار أماكن الأحداث، حيث تُصوَّر نسبة كبيرة من المشاهد في مناطق مثل الأزهر وخان الخليلي وبيت السحيمي وغيرها من المواقع الأثرية، التي جاءت مندمجة عضويا في نسيج الفيلم، لا مجرد خلفيات بصرية. كما ينعكس هذا التكييف في طبيعة العلاقات بين الشخصيات، التي تحكمها أنماط اجتماعية مصرية واضحة.
ولا يعتمد الفيلم على تعقيد مبالغ فيه أو استعراض تقني لافت، بقدر ما يراهن على إيقاع سلس وتشابك تدريجي بين الشخصيات، تتحرك من خلاله الأحداث بوتيرة تحافظ على التشويق من دون إرهاق أو ملل. وبهذا، تنجح مخرجة الفيلم في توظيف عناصر النوع السينمائي لخدمة الحكاية، لا العكس، فلا تترك النوع يهيمن إلى حد يفقد الفيلم هويته، كما يحدث في بعض التجارب العربية التي تنتهي إلى محاكاة نماذج أميركية شهيرة على حساب الخصوصية المحلية.
فيلم لا يتحول إلى نسخة أميركية من نفسه
تُعد الموسيقى التصويرية أحد أبرز عناصر القوة في إن غاب القط، إذ جاءت موسيقى كريم جابر (الوايلي) متناغمة تماما مع طبيعة العمل بوصفه فيلم سرقة خفيف الإيقاع. فمنذ التترات الأولى تعلن الموسيقى عن حضورها بإيقاع سريع وطاقة مرحة، تضع المتفرج مباشرة داخل أجواء الفيلم. وهنا لا تؤدي الموسيقى دور الخلفية فقط، بل تسهم في ضبط الإيقاع العام ومنح الفيلم شخصية سمعية واضحة.
بصريا، اختيرت ألوان الفيلم لتكون نابضة بالحيوية ومتسقة مع خفته السردية، فيما جرى توظيف الديكورات بذكاء، خاصة في مشاهد الحركة، بما يخلق عالما بصريا متكاملا. كما جاءت الملابس والمكياج معبرة عن طبيعة كل شخصية ودورها في الحكاية، دون الوقوع في فخ الاستعراض الشكلي. هذا الانسجام بين العناصر البصرية يمنح الفيلم تميزا ملحوظا مقارنة بالعديد من أفلام السينما التجارية المصرية.
على مستوى الأداء، لا يقدم الفيلم إنجازا تمثيليا استثنائيا، لكنه يطرح أداء متماسكا يخدم العمل في مجمله، خصوصا في المساحة الكوميدية التي يؤديها ممثلون لا يُصنفون أساسا ضمن نجوم الكوميديا. وتأتي الكوميديا هنا كعنصر داعم للبناء الدرامي، لا بوصفها إضافة قسرية تستهدف إرضاء ذائقة الضحك السريع.
وتنبع الكوميديا في الفيلم أساسا من المواقف والتناقضات بين الشخصيات، لا من الإفيهات المباشرة. إذ يعتمد السرد على مفارقات سلوكية ناتجة عن تصادم عالم السرقة القائم على الدقة والتخطيط، مع عالم الحياة اليومية المليء بالفوضى، حيث تنخرط شخصيات اعتيادية، غير مدربة، في مغامرة سرقة تتجاوز قدراتها. ويتيح هذا التناقض مساحات خفيفة للضحك من دون إفراغ الحبكة من توترها الأساسي، مستفيدا من التناغم بين المونتاج والموسيقى والأداء التمثيلي.
وتبرز بعض الشخصيات الثانوية بوصفها صمامات أمان كوميدية تخفف من حدة الأحداث، مثل شخصية حربي (علي صبحي)، التي تتأرجح علاقتها مع القط بين العداء والتحالف، وقد جرى توظيفها بذكاء داخل السرد. وكذلك شخصية وزيرة (سماح أنور)، تاجرة التحف القاسية وخفيفة الظل في آن، التي أضفت على الفيلم ملمحا مصريا أصيلا، رغم أن ملامحها العامة تستلهم نماذج شريرات شائعات في السينما الأميركية، من بينها شخصية قدمتها شارون ستون في فيلم “لا أحد 2” “Nobody 2”.
في المحصلة، لا يمكن اعتبار “إن غاب القط” فيلمًا مكتمل الأركان، لكنه في الوقت نفسه يقدم نموذجًا لفيلم تجاري واعٍ بنوعه وحدوده. الفيلم ينجح في تقديم تجربة مسلية وخفيفة دون الوقوع في فخ التسطيح أو الاستسهال، ويُحسب له اهتمامه بالعناصر التقنية والبصرية، وقدرته على توظيف نوع أفلام السرقة داخل سياق محلي دون فقدان هويته.
