أصدر الممثل والمسرحي اللبناني فائق حميصي كتاباً بعنوان “حكايتي مع الإيماء” عن الهيئة العربية للمسرح (الشارقة)، وهو خلاصة تجربته الخاصة في سطور، من الهواية حتى الاحتراف، منذ العام 1972 حتى اليوم، هنا حوار أجرته معه “المدن” حول أبعاد هذه التجربة.

   

 

في البداية أود أن أوضح بأني لا أؤمن بأن هناك صمت كلي وتام، وبناء عليه تسمى المقطوعات الموسيقية “موسيقى صامتة”، وكذلك أنا أفرق بين الصامت والأخرس، الصامت يعني صامت عن الكلام أما الأخرس فهو أصمّ غير قادر على الكلام. وأنا لا زلت أعشق التعبير بالحركة وبالأشكال الصمّاء وأختار التعبير بتشكيلات حركية بالجسد لوحده أو ضمن تشكيل مع عناصر صماء أو موسيقى صامتة. وأعشق مشاهدة الطبيعة الصامتة. الأشجار لا تنطق لكن بحركتها وبشكلها تكلمنا وتدخلنا في حالات شعورية متعدّدة كما أمواج البحر التي يجلس الناس ساعات وهم يتابعون حركتها وإيقاعها فيدخلون في حالات شعورية متنوعة. لا زلت أعشق كل عمل فنّي مبني على تشكيلات تستنفر قدرتي على التحليل والاستنتاج. متعة المشاهدة لا تبنى على الإصغاء للحوار، هي متعة التواصل بالحركة والإيقاع دون الكلام، باستخدام حاسة النظر. 

 

وطبعاً لا أنكر وجود متعة الإصغاء ولا متعة المشاهدة والإصغاء معاً. وجوابي نعم لا زلت أستمتع بالحركة الصامتة والموسيقى الصامتة أكانت في السينما أو على المسرح وأتابعها هذه الإيام وأسعى لمشاهدة المسرح الفيزيائي كما يسمونه هذه الأيام لكني أفضل تسميته مسرح الحركة تماشيا مع الشعار الذي أطلقناه في لقاء الإيمائيين سنة 1976 في باريس وهو “من فن الإيماء إلى مسرح الحركة”، وبالمناسبة أهم من يقدم أعمالا تعتمد الحركة في المسرح هو جايمس تياري حفيد نجم السينما الصامتة تشارلي شابلن.

 

 

 تتحدث عن بداية مسيرتك من خلال علاقتك بفن الومى والسينما الصامتة وفرقة صلاح تيزاني وانضمامك إلى كشافة الجراح. كيف تتذكر المناخ العام لمدينة طرابلس في تلك المرحلة، أي الخمسينيات من القرن الماضي؟

 

عندما نتحدث عن طرابلس في الخمسينات وما قبل يعني أننا نتحدث عن إحدى عواصم الفكر والفن في العالم العربي. فطرابلس كانت ملتقى الفنانين في عبورهم عبر مينائها البحري من القاهرة عبر ميناء الإسكندرية كونها كانت محطة يحرص الفنانون على تقديم أعمالهم فيها على مسرح زهرة الفيحاء أو “البيروكية” وهي دار أوبرا (هدمت منذ فترة) ليحصلوا على جواز مرور إلى حلب وبغداد ثم حيفا في طريق العودة للقاهرة براً. من الطبيعي أن تسمع من الجيل الذي عاش في ذلك الزمن أسماء فنانين إيطاليين أو فرنسيين أو عرب قدموا أعمالاً في طرابلس كأم كلثوم ويوسف وهبة وعلي الكسار ومحمد عبد الوهاب… كنت ألعب في صغري في حي أنشأ فيه الفنان الطرابلسي عبد الله الحسيني بعد عودته من دراسة التمثيل في إيطاليا معهداً لتعليم التمثيل سنة 1951 كنت أتلصّص على رواده الغريبين عن الحي وهم يتدربون على التمثيل وعلى هذا المعهد كان يتردّد من أصبحوا نجوماً فيما بعد في الإذاعة أو المسرح أو السينما أو التلفزيون مثال الدكتور شكيب خوري والسيدة سعاد الهاشم وزوجها إميل حرب وعوني المصري وعبد الكريم عمر وأحمد بديعة… كما كانت تجربتي الأولى في التمثيل إذ كان يحضر إلى المعهد، كل سبت وأحد، المخرج الطرابلسي نزار ميقاتي حاملاً كاميرا تصوير سينمائي 16 ملم ويطلب منا ونحن نلعب أن نمثل مشاهد عراك أو “أبطال وحرامية” ليصورها ثم، بعد تظهيرها، يدعونا لمشاهدتها داخل المعهد. إلى جانب هذا المعهد كان هناك فرق أخرى تقدم مسرحياتها على مسرح مدرسة الفرير أو الطليان أو مسرح كنيسة مار مارون أو في إحدى دور السينما. من هذه الفرق “فرقة كوميديا لبنان” التي أصبحت فيما بعد “فرقة أبو سليم”. 

 

هذه الفرقة بكامل أعضائها كانت فرقة كشافة الجراح الفنية التي يرأسها صلاح تيزاني الذي صدف أن شاهدته سابقاً يصعد إلى مسرح السينما ليغني مونولجاً  في فترات الاستراحة لتغيير “بكرة” الفيلم. انتسابي لكشافة الجراح سمح لي بالتعرف عن قرب للقائد صلاح تيزاني وحضور جميع عروضه ومنها الصامتة وأذكر منها مسرحية “تحرير الجزائر” ومسرحية “معركة بور سعيد” التي قدمها في الملعب البلدي معتمداً حركة المجموعات على أرض ملعب كرة القدم وكنت أحد أفراد المجموعة التي تمثل الفرقة الإنكليزية المشاركة في الهجوم. عندما انتقل صلاح تيزاني للعيش في بيروت مع أكثر أعضاء فرقته سنحت لي فرصة الانتساب لفرقة الجراح الفنية بقيادة عبد الله الحمصي “أسعد” الذي شاركت معه في تأسيس فرقة الفنون الشعبية سنة 1961 لنعمل خارج إطار الكشاف وحيث كنت أمثل مشاهد حركية صامتة تحت مسمى “النكتة الخرساء”.

 

من ناحية أخرى وبما أن السؤال عن أجواء طرابلس في الخمسينات، لا بدّ من ذكر السينما التي بلغ عدد صالاتها حوالي الخمسين وهي كانت اللازمة الاحتفالية في الأعياد حيث كانت تعرض الأفلام من الثامنة صباحاً حتى الحادية عشر ليلاً. كما كانت الأفلام تقدّم على أنها تعرض خصيصاً بمناسبة الأعياد.

 

كان تأثير هذا الجو فيَّ شخصياً، كبيراً جداً، إذ كنت كطفل أنتشي بمشاهدة أبطال الشاشة الصغيرة في شوارع طرابلس كأحمد بديعة وعوني المصري وعبد الكريم عمر وعلي دياب أو الشاشة الكبيرة كعبد الله الحسيني الذي مثل دور والد ليلى في فيلم “ليلى العامرية” المصري إلى جانب كوكا ويحي شاهين الذي كان يزور الحسيني في معهده في طرابلس. وكم كنت سعيداً عندما عرض أول فيلم لبناني في مهرجان كان الدولي وهو من إخراج جورج نصر وأغلبية ممثليه ومخرجه من طرابلس أو من الشمال.

 

 

 قلت في كتابك إنك حين قدمت “فدعوس يكتشف بيروت” لاقت نجاحاً لدى الجمهور وتم الاحتفاء بك كممثل إيمائي، فما المعايير التي تجعل العرض الإيمائي ناجحاً بالنسبة للجمهور؟ لنقل إن شارلي شابلن قدّم سينما صامتة تزخر بالكوميديا السوداء، في المسرح يرجح أن يكون التمثيل الحي أصعب بكثير من السينما القائمة على الصورة والتصوير؟

 

لا تختلف شروط نجاح العرض الإيمائي عن شروط العروض المسرحية الأخرى أكانت ناطقة أو تعتمد الرقص للتعبير عن الفكرة التي يفترض أن تهم المشاهد. إلى جانب الفكرة يفترض أن تكون الرؤية الإخراجية بعنصريها الصوتي والمرئي مثيرة لاهتمام المشاهد، وأن يكون الأداء التمثيلي مصوراً بتقنية عالية الحالة والشخصية المسرحية. في العرض الإيمائي الصرف تكمن الصعوبة في إتقان مبادئ الأداء الإيمائي التي ترتكز على التمكّن من خلق الشخصية وحالاتها والبيئة المشهدية بالحركة فقط التي يجب أن تحترم أبعاد العناصر التي تتطلب الدقة في الإيهام عبر التعبير بالحركة والتحرك عن حجمها وعن ثقلها وماهيتها بوضوح. فالجملة الحركية كما الجملة المحكية لن تكون مفهومة إذا لم تكن مفرداتها الحركية أو الصوتية معبرة أو منطوقة بشكل واضح. بالنسبة لي، حين لا يستوعب المشاهد لعرض مسرحي الفكرة أو الحالة يقع اللوم الأول على أداء الممثل.

 

يعود نجاح مسرحية “فدعوس يكتشف بيروت” لكونها احترمت شروط النجاح التي ذكرتها سابقاً. أما المناخ العام للجو الفني الذي كان سائداً فمشاهدته للعروض الإيمائية لم تكن جديدة فالعديد من العروض الأوروبية كانت تقدّم على مسارح بيروت، لكن المفاجأة للمهتمين بالمسرح كانت في أن العمل محلي من بكل عناصره فالمخرج، موريس معلوف، لبناني والممثلون أنا ولينا مشعلاني ونبيل صبيح لبنانيون وكل طاقم العمل كذاك، وكانت المرة الأولى التي يشاهد في ملصقها صورة لممثل لبناني وقد صبغ وجهه باللون الأبيض. كتب الناقد الراحل نزيه خاطر في جريدة النهار بعد مشاهدته المسرحية مقالاً عنونه كالتالي ” وأخيراً موهبة… خي”، وأشاد في متنها بأداء المجموعة لكنه خصني بالتفصيل مادحاً إتقاني لأداء الفن الإيمائي كوني الوحيد بين الممثلين الذي صبغ وجهه بالأبيض. 

 

تلَت هذه المقالة مقالات في باقي الجرائد اللبنانية منها من ورد فيها تصريح علني بحبهم للعرض وبعجزهم عن النقد كونهم يجهلون أسس الأداء الإيمائي. عنوان واحد أثار حفيظتي يقول: “أصبح لدينا مارسيل مارسو”، نجم الإيماء الفرنسي وفي متن المقالة جاء ما يمكن أن يعبر عن المناخ العام حينها وهو عبارة تقول إن العرض يسدّ فراغاً في المسرح اللبناني. جاء امتعاضي لكوني لست مقلداً لمارسيل مارسو فأنا لم أكن قد شاهدته لا حين كنت أقدم مشاهد النكتة الخرساء في طرابلس ولا حين درست في الجامعة. هذا الامتعاض دفعني لأجهر بمشروعي الفني القائم على التعبير الحركي ويقع في منزلة بين المسرح المحكي والباليه وهو مسرح لا يروي فقط الحكايات بالحركة كما في النكتة الخرساء بل يمكنه التعبير عن حبكة أو موضوع ويمكنه تصوير الصراع بين اتجاهات متنوعة في العرض حول هذا الموضوع. وهذا ما طورته خلال وبعد إنهائي للدراسات العليا الجامعية في فرنسا وتمرست عليه في مدرسة مونتراي للمسرح.

 

 

 

عندما عرضت على أستاذي في معهد الفنون موريس معلوف أن يخرج لي عملاً إيمائياً وكنت لا أزال طالباً وجد ذلك غريباً لكن زوجته قالت له بالإنكليزية “إنه قادر على ذلك”. بعد ذلك الحديث بأشهر ناداني وقال لي إن الفرصة قد جاءت وأن كلية بيروت للبنات حيث كان يدرّس أيضاً ستقيم مهرجاناً لمسرحيات طلابية وأنه يمكنني تقديم مسرحية إيمائية في إطار المهرجان، وعرض عليّ فكرة لديه بحاجة للتطوير، فهي مبنية على موضوع هجرة شباب الريف إلى المدينة ومساوئ هذه الهجرة. بدأنا العمل على تطوير الفكرة بتحديد المواقف والحالات التي يمر فيها الشاب القروي بطل المسرحية، الذي أطلق عليه الأستاذ معلوف اسم “فدعوس” واكتمل العرض وقدم لمرة واحدة خلال المهرجان تحت اسم “هجرة إلى الموت”، وفيه نرى فدعوس في القرية يتذمّر من نمط حياته، ثم يوجع أهله يذهب إلى المدينة حيث يتم استغلاله في العمل ثم خذلانه في قصة حبّ وصولاً لحالة يأس يقرّر على أثرها الانتحار، لكنه يعجز عن ذلك وتنتهي المسرحية وهو يلف نفسه بالحبل الذي جهزه ليشنق نفسه حتى يتحول إلى بقعة صغيرة كالبصقة على أرض المسرح.

 

 

 

ما ينطقه اللسان يمكن كتابته بالكلمات، أما ما يعبّر عنه بالحركة فيكتب بالجسد. منطلق اللسان والحركة واحد وهو الفكرة، أما سرد تفاصيل القصة فتكتب بالكلمة لوحدها في الأداء الإذاعي وبالجسد لوحده في الأداء الحركي وبالإثنين في الأداء التمثيلي المسرحي والسينمائي. حدث أن طلبت مني لجنة لمهرجان كان يقام تحت مسمى العمل الأول سنة 2004، أن أقدّم في المهرجان مسرحية “فدعوس يكتشف بيروت” وهي أولى أعمالي، فاعتذرت لصعوبة إعادة جمع الممثلين فطرحت اللجنة أن أقدم ثاني عرض، “إيماء 79″، الذي قدمته إثر عودتي من باريس على النمط الكلاسيكي المعروف للعامة سنة 1979. عند بدء تماريني على إعادة العرض بعد 25 سنة استعنت ببرنامج العرض ولم أتمكن من تذكر كامل تفاصيل المشاهد وأنا جالس أقرأ البرنامج، لكن وبمجرد قيامي ووقوفي لأبدأ التمارين، متخذاً أولى الوضعيات كرت سبحة المشاهد كلها وكأني أقدم العرض سنة 1979. التمثيل الإيمائي والحركي ليس ترجمة لمعاني كلمات كتبت في نص مسرحي ناطق بل هو إخراج حركي يبتكره الجسد ليدون كنص حركي في الذاكرة، فالدماغ البشري مكون من مجموعتين من الخلايا، خلايا متخصصة في الابتكار في مواقف انفعاليه وأخرى متخصصة في تخزين وتدوين هذا الابتكار لاستخدامه عند تكرار الموقف.

 

 

 تُعرّف مسار الايماء بأنه فن الاعتراض في مراحل تاريخية، فن المُضطهَدين عبر التاريخ. فكيف وظفت الاعتراض في تجربتك؟ هل أتت تجربتك نتاج بحث عن المتعة أم كانت فنّاً اعتراضياً وتعبيراً عن الاضطهاد؟

 

هذا ليس تعريفي بل ما اتفق عليه الباحثون في تاريخ هذا الفن في أوروبا فقط، أما في الشرق الأقصى فهو فن العرض الوحيد المعترف به في الصين واليابان والهند وهو ركن أساسي في المسرح الياباني وعروض أوبرا بكين حتى اليوم كما في عروض المهابهاراتا الطقوسية الدينية الهندية التي ما زالت تمارس حتى اليوم. وبما أننا في لبنان نتبع المصادر الأوروبية نذكر للقارئ أن نشأة هذا الفن كانت في اليونان مع ازدهار حركة العروض المسرحية اليونانية التي كان يؤديها النبلاء فقط لعامة الشعب وكان يمنع على عامة الشعب التمثيل في هذه العروض كون كل الشخصيات هي آلهة أو ملوك. خارج إطار هذه العروض نشأت حركة من عامة الشعب تقدم عروضاً خارج المسارح وكي لا تتهم بالخروج عن مفاهيم وقوانين السلطة اعتمدت الحركة بدلاً من الكلام وصبغ الوجوه لمحو آثار الشخصية كي لا تتهم بممارسة التمثيل. 

 

ثم ومع تبدّل الفكر وتنقل الحضارة بين اليونان والرومان ما قبل ميلاد المسيح وما بعده حين اعتمدت الإمبراطورية الرومانية المسيحية كدين راحت علاقة السلطة مع فن الإيماء ما بين الاضطهاد والتبني وما بين اتهامها بالبذاءة إلى تبنيها في الترويج للدين الجديد لكن الاضطهاد كان الغالب إلى أن منعها قرار ملكي أصدره الملك شارلماين واعتبر فيها العروض الإيمائية نوعاً من أنواع الشعوذة والسحر يعاقب عليها بالحرق. وذلك ما بين القرن السابع والثامن الميلادي. تلي ذلك قانون ملكي آخر صدر سنة 1221 في صقلية أصدره الإمبراطور فريدريك الثاني قضى بالسماح لكل من يصادف “لاعباً بالحركات”، أي “إيمائي” أو مهرج، بضرب هذا المؤدي وحتى قتله إن حلى له ذلك من دون أن يكون لذلك إية عواقب تفضي لملاحقته قضائياً. دامت هذه الحالة من تذبذب العلاقة مع السلطة حتى القرن التاسع عشر فانتقلت فنون التمثيل الحركية من ساخرة ورياضية صرفة إلى السيرك في القرن التاسع عشر ثم عادت للشارع ثم المسارح في بداية القرن العشرين.

 

في الشرق العربي، ما قبل الإسلام، عرف فن الإيماء وبالرغم من ندرة الدلائل إلا أن ورود كلمة “ميامس” في بعض قصائد الشعراء الصعاليك ووصفهم بأنهم راقصون يصبغون وجوههم ويتمايلون وفي تمايلهم جمال بالرغم من بشاعات على وجوههم. كما عرفت عروض لفرق سميت بالسماجة كانت تقدم عروضاً راقصة تعبيرية ساخرة في الاحتفالات الشعبية، وعلى عكس ما هو رائج، تواصلت هذه العروض بعد نشوء الدعوة الإسلامية وانتشارها وقيام الدولة الإسلامية في بغداد، بل ودخلت هذه العروض بلاطات الخلفاء للترفيه عنهم بالرغم من معارضة بعض الفقهاء ومستشاري الخلفاء لبذاءة ما يفعلون. وقد انتهت هذه الممارسات المسرحية حين أصدر الخليفة “المعتمد” سنة 238 هجرية أمراً بمنع تلك العروض وبإحراق بيوت ممارسيها بما فيها من صور على الجدران، لأنهم يثيرون الجلبة والفوضى في الشوارع.

 

 

 

كنت متمرداً، حتى على ما أعجب به، وأحاول رؤيته من زاوية أخرى أو زاوية أبتكرها أنا وقد كنت متمرداً حتى على العروض التي أعدها وأقدمها. لكل عرض فكرته الخاصة وتجربته وطابعه الخاص.

 

 

نعود في هذا السؤال إلى البداية، متعة مشاهدة العرض الإيمائي الحركي هي نفسها متعة مشاهدة البحر بأمواجه والغابة بأشجارها هي ليست متعة تناسق الحركة فقط بل ما تتيحه لنا من فسحة للتخيل وفرصة للابتكار فعندما يتحرك موج البحر ننتقل لحالة مستمدة من تأثير حركة الموج وإيقاعها وكذا الأمر حين نشاهد لوحة إيمائية تترك لنا مجالاً لتخيل سمات العناصر الغير مرئية التي يوحي بها الممثل. في شكل العرض الذي أشاهده أفضل أن يترك لنا الفنان متعة تخيل أو تفكر لنخلق الحالة الشعورية المرضية لنا.

 

 

تحدثت كثيراً عن فن الإيماء الذي ولد من فن المساخر اليونانية القديمة وفن مهرج السيرك في القرن التاسع عشر أوروبياً ومن عروض الشارع لفرق السماجة في بغداد. أود الآن أن أخص فن المهرج الذي تطور ليصبح الفن الحركي الوحيد الذي له ركائز واضحة لأدائه وهنا أتكلم عن بنية المشاهد التهريجية وليس عن تقنيات الأداء التي لا تختلف عن الإيماء. في كل مشهد تهريجي ناجح هناك ثلاث شخصيات هي الركائز، أولا شخصية البسيط، ثانياً شخصية الحذق المتلاعب بشخصية البسيط ثم الشخصية الميزان الذي لا تمر ألاعيب الحذق بدون تمهيده لها. تربوياً تعدّ هذه التركيبة من أهم ما يساعد الطفل عند مشاهدتها على تعزيز نمو قدراته الذهنية وأهمها الملاحظة والاستنتاج كونه يعرف ما سيحدث للبسيط حين يحيك له الحذق مقلبا فيصرخ منبها البسيط الذي يقع في الفخ مما يتيح للطفل التباهي بذكائه وبتفوقه على هذا الشخص الكبير(المهرج البسيط) وهذا ما يكسبه ثقة بنفسه وبقدراته الذهنية. 

 

 تحدثت عن الإيماء قبل “فدعوس يكتشف بيروت”، فذكرتَ تمثيليات إيمائية قدمها صلاح تيزاني. فإلى أي درجة تعتبر عبدالله حمصي إيمائياً؟ وشوشو أيضاً.. حتى وإن مثّلا أدواراً ناطقة..

 

أكثر الممثلين الكوميديين عندنا تأثروا بأداء فرق “الكوميديا ديل أرتى” التي تعتمد على بناء الشكل الخارجي للشخصية بوضعياتها الثابتة وبطريقة تحركها مع نصف القناع الخاص بها. وهذا أسلوب اعتمدته الكوميديا ديل أرتى كونه يتيح استبدال الممثل الذي يؤدي دور، أرلكان، مثلاً بممثل آخر يجيد التمثيل بالشكل نفسه. أعتقد أن هذا التأثر نشأ من اختلاط الحضارات الناتج عن حروب الاستعمار والغزوات. عبد الله الحمصي كان أنجح ممثل صامت في مسرحيات صلاح تيزاني الصامتة، وشوشو في بداياته التلفزيونية في برنامج للأطفال كان يقدم مشاهد إيمائية قصيرة. وتجلّت قدراتهم في التعبير الجسدي عند أدائهم أدواراً ناطقة باستثناء أدائهما لأدوار في السينما أو التلفزيون لا تتطلب أداءً كوميديا جسدياً كعبد الله حمصي في فيلم “سفر برلك” وشوشو في مسلسل “المشوار الطويل”.

 

 

 تسأل: تُرى أين تكون المشكلة مع الإيماء؟ هل كان يتم قمعه لأنه يتخذ من الكلمة وآدابها وسيلة للتعبير؟ وقد تم التحريض على ذلك من أنصار الكلمة. أو تم قمعه لتقديمه العروض بالجسد الذي تعتبره مجتمعات متنوعة عورة لا يجوز عرضها؟ أم أن الصمت يخيف السلطة؟ من خلال أسئلتك، هل حوربتَ من أصحاب المسرح الناطق؟ هل حاربك المجتمع؟ هل تعرضت للرقابة؟

 

البذاءة، المجون، الهرطقة، الشعوذة، الجلبة، إثارة الفوضى في الشوارع التي نٌعت بها الإيماء كلمات لها دلالات منها ما يرتبط بالأخلاق ومنها ما يرتبط بالنظام العام، كلها رُمي بها فن التمثيل الإيمائي. والمحرضون منهم من له دوافع تتعلق بتقديمه الكلمة على الحركة ومنهم من يعتبر الجسد عورة لا يجوز قيامها بحركات تثير الغرائز. هذا في الظاهر أما المخفي فإن هذه العروض كانت تسخر من السائد الاجتماعي والسلطوي. أنا شخصياً لم أتعرض لأي اضطهاد بل بالعكس غمرني الجمهور اللبناني والعربي بالترحيب والتقدير.

 

 

لن يؤثر طوفان الوسائط في المسرح بشكل عام وبالتالي لن يؤثر في الإيماء لأن طوفان وسائط فنون العرض سابقاً كالسينما والتلفزيون لم تؤثر في توق البشر للتلاقي والتفاعل، فالإنسان مخلوق اجتماعي.

 

 

الفن أرقى من السياسة.