داني حداد

داني حداد
خاص موقع Mtv

ينسى المسيحيّون، أو لنقل بعضهم، إنّ أصغر آيات الإنجيل تكاد تختصر المسيحيّة: الله محبّة. وينسى بعض المسيحيّين الكثير من أقوال السيّد المسيح الذي احتفلوا، منذ أيّامٍ قليلة، بذكرى ميلاده وغاب عنهم الالتزام بأقواله، ومنها “لا تدينوا كي لا تدانوا”، ونسوا كيف منع الزناة الكبار من رجم الزانية الصغيرة.

مناسبة هذا الكلام بعض ردود الأفعال على زيارة الأب غيلهيرمي الى لبنان ومشاركته في قداسٍ يوم السبت في جامعة الروح القدس الكسليك. 
ينطلق البعض في تحديد موقفه من الكاهن ممّا يسمّى “التعصّب المسيحي”، ويغفلون عن أنّ المسيحيّة الحقّة نقيض التعصّب، لا مطاوعين فيها، ولا حملة سيوفٍ ولا قاطعي ألسن. هو دينٌ غسل فيه الربّ أرجل تلاميذه. هو دينٌ قال فيه المصلوب “اغفر لهم لأنّهم لا يدرون ما يفعلون”، وقبلها قال “من منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر”، وغفر وأحبّ، حتى بذل نفسه من أجلنا.
وبعد، هل ندين كاهناً لأنّه اختار أن يكون DJ؟ وهل بات كاهنٌ ينسّق الموسيقى مصدر خطرٍ على المسيحيّين وإيمانهم؟ مؤسفٌ هذا الانحدار في الوعي، بقدر ما هو مؤسف حجم سوء فهم بعض المسيحيّين للمسيح الذي صنع أعجوبته الأولى حين كان ساهراً في عرس.
المسيحيّة محبّةٌ وصفحٌ وتضحية، وما عدا ذلك فليس من يسوع الذي عرفناه في الأناجيل وليس في كتب التاريخ ولا، طبعاً، في تعليقات السوشال ميديا الحاقدة. رفض يسوع ما كان شائعاً قبله. رفض العبوديّة والاضطهاد وكلّ ما هو عنفٌ وظلمٌ، تماماً كما رفض الحكم على الآخرين والسخرية منهم، والثرثرة على الناس: فليكن كلامكم نعم نعم ولا لا. ليس في سيرته غزوات ولا إدانات ولا رؤوسَ تقطع. مجرّد حكاية بسيطة، رجلٌ لا يقاتل أعداءه بل يغفر لهم. يصل في مذودٍ ويغادر عن طريق الجلجلة، من غير أن يغفل عن الطلب الأخير: اغفر لهم يا أبتاه.

وبعد، هل يجوز أن يتلهّى بعض المسيحيّين بالاعتراض على حضور كاهنٍ بينهم، بينما حضورهم في هذا الشرق ينحسر، ودورهم في الوطن يتراجع؟ وهل تجوز هذه الغيرة المبالغة على الكنيسة، بينما تكاد كنائس كثيرة تفرغ إلا من كبار السنّ؟
يمارس البعض إيمانهم على مواقع التواصل الاجتماعي. جيّد، وقد قال ميخائيل نعيمة “من لم يجد هيكلاً في قلبه، لن يجد قلبه في أيّ هيكل”. ولكن، من كان مسيحيّاً حقّاً، لاختار، قبل أيّ شيء، أن يتفهّم الآخر، وأن يتقبّل أيّ شكلٍ من أشكال الاختلاف في التعبير أو ممارسة الإيمان.
حبّذا لو نفهم المسيحيّة أكثر. حبّذا لو نعرف المسيح أكثر. فأهلاً بالأب غيلهيرمي في لبنان وفي جامعة الروح القدس – الكسليك، حيث سيشارك في قدّاسٍ ولقاءٍ عند الخامسة من عصر السبت. تعالوا، صلّوا، ناقشوا، عبّروا، ولكن بمحبّةٍ مسيحيّة.