عوضة بن علي الدوسي

لا شك أن منزلة النسق الثقافي الاستثنائية هي في صلته بتعدد اتجاهاته الفنية، حيث إن النسق يتجاوز مفهوم الجمال إلى تفاصيل أخرى متعددة فهو في واقعه يقود إلى سياق تحرير بصري رائع يغني عن الشرح لتكملة المراد من الكلام، وعلى سبيل المثال من تلك التفاصيل حين نرى فتاة صغيرة ترتدي الزيّ التراثي بألوانه الزاهية، وتلك المصفوفات الجمالية البصرية توحي بحلة باذخة من الروعة والجمال مع بعض الحلي التقليدي من الفضة، وذلك يتجاوز بعده الجمالي إلى كونه يستدعي ثقافة وتاريخ، وهذا التلاقي حتما يزيد من حضور النسق الثقافي في تنوع المساهمات المعرفية إلى تهدف إلى بث الروح في المنسق الثقافي، وبالتالي بعثه من جديد، وعلى هذا السياق يتحول إلى أداة لإنتاج المعرفة وكمصدر للفخر وكذا تعزيز الهوية.

إن ما نحاول قراءته في سياق تفاصيل النسق المتعددة هو إعادة إنتاجه معرفيا بطرق متنوعة في محاولة جادة لرفع الذائقة الجمالية، وحين نقرأ هذه العلاقة مع النسق الثقافي تتحول مشاعر الفرد إلى رغبة طامحة في تقديم هذا النسق أو ذاك إلى وجه آخر مشرق من خلال ما يراه مناسبا له، لأن كل الأنساق الثقافية في كل أرجاء الوطن بالضرورة جميلة، ولكن يظل النسق الثقافي لا يتجاوز تسجيله الواقعي، يظل محله ساكنا ورتيب، وعندما نضيف عليه ما يستحقه من وعينا من نشاطنا الفكري واللغوي، يكون قد تحرك فعلا باتجاه معرفي مُستحق، فالشاعر يضيف عليه من روحه، والفنان من ريشته، والمخرج من مسرحه، والمصور من كاميرته، والناثر من لغته الحيّة، وهكذا يتحول النسق أو الملمح البصري الثقافي إلى مشهد حياتي وعلاقة دلالية ينكسر فيها الواقع المألوف بالغة، وبالريشة، وحالات التصوير الإخراجي، إلى وقوع من إيقاعات المختلفة تستهوي المتلقي ويستعذبها وبالتالي نضع النسق الثقافي في سياقه الحقيقي، وكلنا لنا ردود أفعال أمام أي نسق ثقافي، حتى الإنسان العادي، يُسَر، يبتهج، يبتسم، يتحدث عن أن هذا الملمح استهواه، أو انه جميل وندرك ذلك من قسمات وجهه، وهذه مشاعر مقدرة، ولكن لماذا لا تتطور إلى عمل لغوي أو فني، لأن النسق الثقافي في واقعه يحرض إلى أبعد من ذلك، يحرض للوصول إلى حالة من الخيال الذي يتسع بسعة أفق تاريخ ذلك النسق الثقافي، وبقدر ما نبتعد في الخيال تكون المعرفة، ومن الأنساق الثقافية التي تستحق أن نقف عليها.

المكان التاريخي قصر المصمك الذي يثير فينا أمجاد الماضي يثير فينا البطولات حالات النضال والكفاح للأسلاف، وهو أحد أهم الأنساق الثقافية التاريخية في المملكة من حيث إنه يرمز للمجد والتاريخ وعنفوان الماضي الذي اليوم نحن نتفيأ ظلاله، وهنا يقع العمل الأدبي والفني تجاه مثل هذا الرمز الوطني، وعلى نفس السياق المكان الطبيعي، المنازل القديمة، فحين النظر بوعي في زوايا المكان وفي جنبات الأروقة المختلفة تبدأ حميمية وألفة مع الأنساق الثقافية المختلفة في رواق المكان الطبيعي، وهكذا يتعدد النسق ويتسع مع المكان الجغرافي حين نشعر بحالة من التبتل إلى الله في مكة المكرمة، تشعر بالشخص الناسك وبالسمو الروحي والنورانية الخالصة للنفس ومن هنا نستطيع رصد تفاصيل وأبعاد كل الأنساق الثقافية.

جماع القول، النسق الثقافي في تنوع تفاصيله يتيح لنا نشاط مفتوح ويسمح بالتفكير والمداولة الذهنية والعطاء اللامتناهي، كونه أحد المسببات الحسية التي تمكن أن نستثمرها، كل من زاويته وحسب موهبته وكذا الشعور الداخل إليه.. وإلى لقاء.