لا شك في أن الحروب لا تترك خلفها سوى الدمار والخراب والمآسي. غير أن الحرب الاسرائيلية على البلدات الجنوبية تركزت على محو هويتها وكل ما من شأنه أن يعطي صورة عن تاريخ هذه الأرض وحضارتها.

 

لذلك، فإن ما خلفه العدو في أرضنا مجرد حجارة لكنها تنطق إصراراً على الحياة، والتمسك بالأرض والهوية.

 

كانت لبلدة بلدة شمع الحدودية (قضاء صور) في جنوب لبنان، حصة كبيرة من الدمار خلال الحرب الاسرائيلية الأخيرة على لبنان، وفي اعقاب اجتياحها من القوات الاسرائيلية بعد مواجهات دامية مع عناصر المقاومة، تركزت في محيط القلعة الأثرية ومقام النبي شمعون الصفا وعند أعتابهما، ونجم عنها مقتل عدد من جنود لواء غولاني وعالم الأثار زئيف ايرليخ الذي اصطحبه مسؤول عسكري إلى هذا المقام بناء على طلبه، وبهدف إجراء بحوث تاريخية مرتبطة بأساطير حول المملكة اليهودية، وفقاً للإعلام الإسرائيلي آنذاك، عندما باغتهم ثلاثة مقاومين كانوا لا يزالون يحتمون داخل احد المخابئ تحت الارض، وأطلقوا النار على القوة الاسرائيلية من نقطة صفر، مما أدى إلى مقتل العالم وعدد من الضباط والجنود الاسرائيليين.

 

 

إعادة بناء المئذنة العثمانية. (أحمد منتش - النهار)

إعادة بناء المئذنة العثمانية. (أحمد منتش – النهار)

 

 

 إعادة بناء المقام وترميمه

رغم كل ما حصل في قلعة شمع ومقام شمعون الصفا المحاذي للقلعة والمعصرة الأثرية، ورغم الدمار والخراب الناجمين عن قصف البلدة المركز من الجو والبر ومن احتلالها، وما نجم عن ذلك من تدمير عشرات المنازل السكنية والمراكز والصروح التربوية والدينية والصحية والبنى التحتية وتخريبها وحرقها، استطاع أهالي البلدة بجهود محلية خاصة من إعادة بناء المقام وترميمه، ومئذنة المسجد والقبب والذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع الميلادي. وقد دمرت القوات الاسرائيلية كل معالم المقام والمسجد وأحرقتها، قبل انسحابها إثر التوصل الى قرار وقف الأعمال العدائية في تشرين الثانينوفمبر  2024.

 

 

ترميم وإصلاح المقام من الداخل بعد تخريبه وحرق ضريح النبي شمعون الصفا. (أحمد منتش - النهار)

ترميم وإصلاح المقام من الداخل بعد تخريبه وحرق ضريح النبي شمعون الصفا. (أحمد منتش – النهار)

 

سلامة تفقد المقام والقلعة 

وكان وزير الثقافة غسان سلامة زار بعد تسلمه مهماته في الحكومة الحالية المقام والقلعة الأثرية في شباط عام 2025، واطلع عن قرب على حجم الدمار والخراب، ووعد في تصريح أدلى به بتكليف جهات محلية ودولية مختصّة إجراء دراسات تتعلق بالترميم والعمل على إعادة اعمار القلعة والمقام. وحث المغتربين على المساهمة في إعادة بناء المعالم الأثرية والتاريخية وترميمها في جنوب لبنان.

 

 

ما تبقى من القلعة الأثرية في شمع. (أحمد منتش - النهار)

ما تبقى من القلعة الأثرية في شمع. (أحمد منتش – النهار)

 

القلعة الأثرية  والحاجة إلى جهد محلي ودولي لإعادة ترميمها

القلعة الأثرية التي بناها الصليبيون عام 1116, والمجاورة لمقام شمعون الصفا، كانت قبل اجتياح القوات الاسرائيلية لمنطقة الشريط الحدودي عام 1978, عرضة للقصف المدفعي الإسرائيلي. وفي عدوان تموز عام 2006, تعرضت لغارة إسرائيلية، أسفرت عن تدمير أجزاء منها. وبعد قرار وقف النار جرى ترميمها من ضمن المشروع القطري لإعادة إعمار المواقع الأثرية والدينية في جنوب لبنان. وفي الحرب الاسرائيلية الأخيرة عام 2024، والتي ترافقت مع احتلال القلعة، جرى تدمير معظم معالمها ولم يبق منها سوى بعض الحجارة وهي عرضة للانهيار والسقوط.

 

 

وزير الثقافة خلال تفقّده المكان. (أحمد منتش - النهار)

وزير الثقافة خلال تفقّده المكان. (أحمد منتش – النهار)

 

وقال نائب رئيس البلدية حسين سرور لـ”النهار” إن إعادة بناء مقام شمعون الصفا وترميمه، حصل بناء على رغبة أبناء البلدة وعلى نفقتهم الخاصة، بالتنسيق مع المديرية العامة للأثار وتحت اشرفها. واعتبر “إصرار الأهالي مع البلدية  على إعادة تركيب المئذنة وقباب المسجد والمقام تعبيراً عن تمسكهم بأهمية هذا المقام كمعلم تاريخي وديني وسياحي، ليس للمسلمين فحسب وإنما للمسيحيين أيضاً”.

 

وشدد على “أن إعادة اعمار القلعة الأثرية تحتاج إلى جهد محلي ودولي، نظراً الى تدمير وتخريب كل أجزاء القلعة وتخريب معالمها بشكل كامل”.