لم تكن هوليود عاصمة لصناعة السينما في العالم فقط، ولكنها كانت مصنعا للأساطير، وأرضا للأحلام والكوابيس. وقد شكلت، خلال الأعوام المئة الماضية، بأفلامها وحكاياتها، تصورات العالم عن نفسه، وصنعت رموزه وأبطاله.

كانت أفلامها شريكاً رئيسياً في تنشئة أجيال كما ساهمت برموزها في الترويج للنموذج الغربي، ولم تكن تكتفي بسرد الحكايات ولكنها تمنحها إيقاعاً وبطولة وأملاً ووهماً جميلاً.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ولكن تلك الأضواء التي تلف التلال الخضراء في هوليود بدأت تخفت ولم تعد القبلة الوحيدة للخيال، إذ أعادت التحولات التكنولوجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية تشكيل ذائقة الأجيال الجديدة.

يعترف كبار العاملين في مدينة الأضواء أنها تواجه لحظة أفول لا تشبه غيرها وتترجل عن عرش التفرد.

وتأثرت مكانة هوليود بانخفاض تكلفة إنتاج الفيلم واستخدام التكنولوجيا الرقمية، فانتشرت الصناعة في بقاع مختلفة يرتفع صوتها وتبدو أضواؤها أكثر سطوعاً من أضواء هوليوود أحياناً، فهل تتحول عاصمة السينما في العالم إلى ماض وينتقل عرش الصناعة إلى عاصمة أخرى؟

إحصاءات صادمة

يعترف المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي بأن المركزية التاريخية لهوليود لم تعد قائمة، ويقول في مقابلة مع مجلة “سايت آند ساوند” (Sight & Sound) التابعة للمعهد البريطاني للسينما إن السينما العالمية اليوم “لم تعد تدور حول مركز واحد” .

وأشار إلى أن موجات سينمائية قادمة من آسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية باتت تؤثر في الذائقة العالمية خارج النموذج الهوليوودي التقليدي، سواء من حيث الأسلوب أو الموضوع أو طرق الإنتاج والتوزيع.

BERLIN, GERMANY - FEBRUARY 21: Martin Scorsese speaks at the Honorary Golden Bear: In Conversation With Martin Scorsese during the 74th Berlinale International Film Festival Berlin at HAU Hebbel am Ufer on February 21, 2024 in Berlin, Germany. (Photo by Sean Gallup/Getty Images)سكورسيزي: السينما العالمية لم تعد تدور حول مركز واحد (غيتي إيميجز)

وتُظهر إحصاءات الإنتاج وأنماط العمل ونماذج التمويل والتغيرات الجغرافية للمشاريع الكبرى التي جمعتها مؤسسة (ProdPro) المتخصصة في رصد وتحليل حركة إنتاج الأفلام والمسلسلات التلفزيونية حول العالم أن إنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية في الولايات المتحدة انخفض بشكل حاد في أعقاب إضرابات الكتاب والممثلين عام 2023.

شهدت لوس أنجلوس أحد أضعف أعوامها الإنتاجية منذ أكثر من عقد. ولم يقتصر هذا الانخفاض على المشاريع المستقلة، فقد قامت الاستوديوهات الكبرى بتأجيل أو نقل إنتاجاتها ذات الميزانيات الضخمة بسبب ارتفاع التكاليف وعدم استقرار سوق العمل وتزايد الحوافز التنافسية في الخارج.

وقد تم تصوير العديد من الإنتاجات الضخمة التي كان من المفترض تصويرها في كاليفورنيا في كندا أو المملكة المتحدة أو أوروبا الشرقية، ومنها فيلم “ديدبول وولفرين” (Deadpool & Wolverine) 2024 من إنتاج ديزني في المملكة المتحدة وكندا.

واعتمدت شركة “وارنر بروذرز” المنتجة له بشكل متزايد على استوديوهات “ليفسدن” خارج لندن لإنتاج أفلامها ذات السلاسل. ولم تكن هذه القرارات خيارات إبداعية بل اقتصادية.

وقد أقرت لجنة كاليفورنيا للأفلام بأن المناطق المنافسة في العالم تقدم حوافز ضريبية تتجاوز ما تستطيع الولاية تقديمه حالياً.

ووفقاً لتقرير صادر عام 2024 عن شركة “أولسبرغ إس بي آي” لصالح رابطة الأفلام، فإن أكثر من 120 من المنافسين حول العالم يقدمون حوافز للأفلام والتلفزيون مما يخلق بيئة تنافسية يتبع فيها الإنتاج المنطق المالي أولاً.

وتقدم كندا أحد أوضح الأدلة على هذا التحول الهيكلي. فقد وثق تقرير صادر عن مؤسسة (KPMG) عام 2024 بتكليف من جمعية الأفلام السينمائية الكندية أن الاستوديوهات الأجنبية ومنصات البث الرقمي تستحوذ الآن على أكثر من نصف إجمالي الإنفاق على الإنتاج السمعي البصري في البلاد.

وأظهر التقرير أن الإنتاجات الدولية تدر مليارات الدولارات سنوياً كاستثمارات مباشرة وتدعم مستويات توظيف أعلى بكثير من المشاريع المحلية وحدها.

SEOUL, SOUTH KOREA - JUNE 28: Participants perform during the "Squid Game" Season 3 parade and finale event on June 28, 2025 in Seoul, South Korea. (Photo by Chung Sung-Jun/Getty Images)المسلسل الكوري الجنوبي “لعبة الحبار” حقق نجاحا عالميا كبيرا (غيتي إيميجز)

وفي تصريح رسمي نشر على الموقع الإلكتروني لجمعية الأفلام الكندية (Motion Picture Association)، أكدت ويندي نوس رئيسة الجمعية أن الاستوديوهات العالمية ومنصات البث الرقمي لم تعد تلعب دوراً ثانوياً في الصناعة السمعية البصرية الكندية، بل أصبحت عنصراً أساسياً في نموها واستدامتها.

وقالت نوس إن التقرير الصادر عن الجمعية يظهر “الطرق العديدة التي تفيد بها الاستوديوهات العالمية ومنصات البث القطاع السمعي البصري الكندي بأكمله من خلال استثمارات مالية وغير مالية تعزز الصناعة وتمنح العاملين فيها منصة عالمية لعرض مواهبهم”، في إشارة واضحة إلى التحول البنيوي الذي تجاوزت فيه قوة الإنتاج حدود هوليود التقليدية، وانتقلت إلى نموذج دولي أكثر تشظياً واعتماداً على الحوافز العابرة للحدود.

وتقود منصات البث الرقمي هذا التحول التاريخي، وذلك بعد أن غيرت شركات مثل نتفليكس طرق تقييم الفيلم ومعايير تكلفة الإنتاج ومعايير نجاحه كعمل فني وتجاري لا يهتم بإيرادات شباك التذاكر المحلي.

وفي رسائلها إلى المساهمين، تسلط نتفليكس الضوء على “ساعات المشاهدة” كمؤشر أداء رئيسي ودفع النهج الجديد مسلسلات مثل “البروفيسور” (Money Heist) 2017 من إسبانيا و”لعبة الحبار” (Squid Game) 2021 من كوريا الجنوبية إلى تحقيق نجاح عالمي دون الاعتماد على استوديوهات هوليود، مما يقدم دليلاً قاطعاً على قدرة المحتوى العالمي على السيطرة على المشاهدة العالمية دون المرور عبر لوس أنجلوس.

FILE - Empty seats are seen inside the Ariana Cinema in Kabul, Afghanistan, Nov. 8, 2021, before the cinema was demolished in December 2025 by Taliban authorities to make way for a new shopping center. (AP Photo/Bram Janssen, File)مقاعد فارغة في سينما أريانا بالعاصمة الأفغانية كابل (أسوشيتد برس)دور العرض.. إلى زوال

ويعتبر تيد سارانوس الرئيس التنفيذي المشارك لمنصة نتفليكس أن فكرة الذهاب إلى السينما كطقس جماعي لم تعد الاختيار الأول لعشاق الفن السابع.

وفي حديثه خلال قمة (TIME100) عام 2025، قال ساراندوس إن هذا النموذج أصبح “قديماً للأغلبية العظمى من الجمهور، وإن لم يكن للجميع”.

وأوضح أن التحول لا يعني اختفاء السينما بل تغير موقعها داخل منظومة الترفيه، حيث أصبحت المشاهدة المنزلية المدعومة بالخوارزميات وسهولة الوصول هي القاعدة لا الاستثناء.

وتعد دور العرض السينمائي التي تقلصت أعداد مرتاديها بنسبة كبيرة هي المؤشر الأكبر على تراجع هوليود، خاصة بعد فشل إيرادات شباك التذاكر العالمية في العودة إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا.

وتؤكد تقارير المنظمة العالمية للملكية الفكرية أنه في حين انتعشت أحجام الإنتاج بشكل متفاوت، فقد شهدت إيرادات دور العرض السينمائي ركوداً في عام 2024.

A Netflix sign is displayed atop a building in Los Angeles, Wednesday, Dec. 17, 2025. (AP Photo/Jae C. Hong)منصة نتفليكس ساهمت في كسر مركزية هوليود السينمائية (أسوشيتد برس)

وأغلقت سلاسل دور السينما الكبرى في الولايات المتحدة فروعاً لها أو أعادت هيكلة ديونها، بينما تبنت الاستوديوهات بشكل متزايد فترات عرض سينمائية أقصر أو تجاوزت دور العرض تماماً لصالح العروض الأولى عبر منصات البث.

ويتجلى هذا التحول في الأفلام التي تعرض في دور السينما وعلى المنصات الرقمية في التوقيت نفسه، وكان أمراً محظوراً تماماً في السابق ولكنه أصبح حالياً قراراً مقبولاً من قبل المنتج والموزع.

وقد فشلت أفلام قادها نجوم الصف الأول داخل منظومة الاستوديوهات الكبرى بينما كانت منصات البث تعيد رسم خريطة التأثير عبر أعمال تقوم على السرد طويل النفس والرهان على وجوه جديدة، ومن بين تلك الأعمال فيلم “أرغيل” (Argyle) 2024، الذي وصلت تكلفة إنتاجه إلى 200 مليون دولار.

في المقابل، حقق مسلسل “غزالي المدلل” (Baby Reindeer) 2024 نجاحاً كبيراً على نتفليكس. وتكرر الأمر مع فيلم “الجوكر: جنون مشترك” (Joker: Folie à Deux)، الذي لم يحقق العائد المتوقع قياساً بثقل نجم مثل جواكين فينكس وعلامته التجارية.

وفي الوقت نفسه، تصدر مسلسل “العميل الليلي” (The Night Agent) 2023، بفريق من الممثلين المغمورين قوائم المشاهدة وحقق أرقاماً قياسية في البث.

MARRAKECH, MOROCCO - DECEMBER 06: President of the Jury Bong Joon-ho attends the Closing Red Carpet during the 22nd Marrakech International Film Festival on December 06, 2025 in Marrakech, Morocco. (Photo by Aurore Marechal/Getty Images)بونغ جون-هو: تجاوز حاجز الترجمة يفتح أمامك عالما من الأفلام المذهلة (غيتي إيميجز)

ويشير محللون في اقتصاديات صناعة السينما استشهدت بهم مجلة “هوليوود ريبورتر” إلى أن الخوارزميات هي التي تحدد الآن مدى وصول معظم المشاهدين إلى أعمالهم. ويتضح هذا جلياً في استراتيجيات الترويج لنتفليكس التي غالباً ما تركز على النوع والقصة بدلاً من الأسماء الفردية، مما يضعف النفوذ التاريخي لنجوم السينما في التفاوض والتحكم الإبداعي.

بدلاً من الإغراق في المحلية الذي يقود إلى العالمية تحول تصميم المشروع الفني إلى الحياد مخافة الانصراف عن المشاهدة نتيجة الاختلاف الثقافي أو السياسي، وقد أصبح المزج اللغوي أمراً عادياً تماماً في أعمال تلك المنصات لدغدغة مشاعر الجماهير بعد أن كان نادراً.

ويلخص المخرج الكوري الجنوبي بونغ جون-هو الفائز بسعفة كان وأوسكار أفضل فيلم عن “الطفيلي” (Parasite) 2019 الأمر في مقابلة مع “الغارديان” قائلاً: إن “تجاوز حاجز الترجمة الذي يبلغ طوله بوصة واحدة فقط يفتح أمامك عالماً من الأفلام المذهلة”.

وقد استخدم هذا التصريح على نطاق واسع بوصفه إعلاناً رمزياً عن كسر احتكار هوليود للوصول العالمي حيث لم تعد السينما غير الناطقة بالإنجليزية بحاجة إلى المرور عبر الاستوديوهات الأميركية لتحقيق التأثير الدولي.

ويستدعي تصريح مخرج “الطفيلي” فكرة الرابح الأكبر من تراجع مركزية هوليود ليؤكد أنه ليس بلداً بعينه بل النموذج العالمي المفتوح للإنتاج والتوزيع هو الذي كسر احتكار المكان واللغة والنجومية، ولن تحتاج القصة للمرور عبر لوس أنجلوس كي تُسمع، ولا يحتاج العمل الفني إلى نجم هوليودي ليحجز مكانه في الوعي العالمي.