لا أسمع موسيقى الفنان عمر خيرت، إلا وأذكر الفيلسوف الفارابى الذى عاش فى القرن العاشر الميلادى، واشتهر بمهارة العزف على العود، وبلغ فى المهارة حداً كان قادراً به على أن يجعل مستمعيه يتقلبون بين الضحك والبكاء!
والذين حضروا حفلات خيرت الأخيرة لاحظوا أنه دعا الفنانة حنان ماضى تغنى على أنغام موسيقاه، وإلى جانبها موسيقى منال محيى الدين على آلة الهارب، وموسيقى نسمة عبد العزيز على آلة الماريمبا، ثم موسيقى أعضاء الفرقة الذهبية التى ترافقه، ولولا ضيق المساحة لذكرت أعضاءها اسماً اسماً. إنهم كما قال الرجل وهو يقدمهم فى دار الأوبرا: فخر المحروسة.
يذكر جمهور الفنان الكبير أن رهانه منذ البداية كان على أن يسمع الناس مقطوعات موسيقية خالصة لا غناء فيها، وعندما أعاد طرح موسيقى فيلم «ليلة القبض على فاطمة» على أشرطة الكاسيت فى الأسواق، كان ذلك تطبيقاً عملياً لنجاح الرهان، وكان طرح موسيقى الفيلم فى مطلع الثمانينات سابقة فى دنيا الموسيقى لا مثيل لها من قبل.
ولا شك أن المتعة الفنية تكتمل عندما يجد الجمهور أنه قد اجتمعت أمامه موسيقى عمر خيرت وفرقته، مع أشعار الكبير سيد حجاب بصوت حنان ماضى، التى تبدو وهى تعود بعد فترة من الغياب، وكأن صوتها ازداد نضوجاً على نار هادئة!
وسوف يظل لدى جمهور الموسيقى إحساس خفى بأنه مدين لعمر خيرت مرتين: مرة لأنه يجدد السعادة لدى جمهوره مع كل حفل جديد، ومرة أخرى لأن أبو بكر خيرت كان أحد أعمامه. فليس سراً أن العم أبو بكر عاد بعد دراسة الموسيقى فى باريس، ليشارك الدكتور ثروت عكاشة إنشاء أكاديمية الفنون، ثم لينشئ معهد الكونسرڤتوار، ويعكف من بعدها على تطوير آلة القانون، وقد وصل فى تطويرها إلى حد قيل عنها إنها: قانون خيرت. ولا بد أن الذين درسوا فى الأكاديمية أو فى المعهد مدينون للعم خيرت، أما الذين يحضرون حفلات ابن الأخ أو يترددون عليها فى الأوبرا أو فى سواها، فإنهم مدينون بالدرجة نفسها للموسيقار الفنان الذى يأخذهم إلى عالم من السحر والخيال.
الموسيقى التى يقدمها فى حفلاته لغة، ولكنها لغة غير منطوقة، ويجوز أن نقول إنها لغة معزوفة، وأن بين طرفيها موجة واحدة للإرسال والاستقبال، فلا يكاد هو يحرك أصابعه على البيانو أمامه، حتى تكون القاعة قد ضجت متجاوبة تصفق مرة، أو تُبدى آيات الاستحسان والامتنان مرةً ثانية!
بينه وبين جمهوره ما بين النهر والبحر، فالنهر يجرى من زمان ليصب فى البحر، ولكن النهر لا يجف ولا البحر يمتلىء!
