
بيروت ـ «القدس العربي»: بعد يوم واحد على عدم إعلان مجلس الوزراء اللبناني الانتقال إلى المرحلة الثانية من حصرية السلاح والاكتفاء بالحديث عن خطة ستعدها قيادة الجيش لمنطقة شمال الليطاني في شهر شباط/فبراير بناء على سيناريو مسبق بين رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري لعدم حشر الجيش، عاودت إسرائيل اعتداءاتها الجوية، فنفّذ طيرانها المعادي سلسلة غارات عنيفة على المنطقة الواقعة بين بلدتي كفرفيلا وعين قانا في منطقة إقليم التفاح، كما أغار على واد بين دير الزهراني وحومين الفوقا، واستهدفت غارة بلدة البيسارية في منطقة صيدا. أما بقاعاً، فاستهدفت غارة جرد بريتال منطقة النبي إسماعيل.
وأشار المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي إلى استهداف «بنى تحتية تابعة ل«حزب الله» في عدة مناطق في جنوب لبنان»، زاعماً أن الغارات طالت «مستودعات أسلحة وموقع انتاج وسائل قتالية استخدمها «حزب الله» لإعادة اعمار قدراته وتسليحه»، مضيفاً «كما تم استهداف مواقع إطلاق ومنصات صاروخية إلى جانب مبان عسكرية إضافية استخدمها «حزب الله» للدفع بمخططات ضد قوات جيش الدفاع ودولة إسرائيل». يأتي ذلك في تواصل للانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار مع «حزب الله» الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024. وأفادت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفذ اليوم سلسلة غارات جوية عنيفة.
وأضافت أن الطيران الإسرائيلي «أغار على واد بين دير الزهراني وحومين الفوقا (جنوب) فيما شن غارة على المنطقة الواقعة بين بلدتي الريحان وسجد بمنطقة جزين (جنوب)». وشرقي لبنان، قالت الوكالة إن «الطيران الإسرائيلي شن سلسلة غارات على أعالي جرود بريتال منطقة النبي إسماعيل في قضاء بعلبك».
ومنذ فترة يتحدث إعلام عبري عن «استكمال» الجيش الإسرائيلي إعداد خطة لشن «هجوم واسع» ضد مواقع تابعة لـ««حزب الله»»، إذا فشلت الحكومة والجيش اللبنانيان بتنفيذ تعهدهما بتفكيك سلاحه قبل نهاية 2025.
ورغم دخول وقف إطلاق النار بين الجانبين حيز التنفيذ أواخر نوفمبر 2024، تنفذ إسرائيل هجمات يومية على لبنان خاصة جنوب البلاد. وقتلت إسرائيل أكثر من 4 آلاف شخص وأصابت نحو 17 ألفا آخرين، خلال عدوانها على لبنان الذي بدأته في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، قبل أن تحوله في سبتمبر/ أيلول 2024 إلى حرب شاملة، توقفت باتفاق وقف إطلاق النار. كما عمدت إلى خرق الاتفاق أكثر من 10 آلاف مرة، وفق قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) ما أسفر عن مئات القتلى والجرحى، فضلاً عن مواصلة احتلالها 5 تلال لبنانية سيطرت عليها في الحرب الأخيرة، إضافة إلى مناطق أخرى تحتلها منذ عقود. إلى ذلك، بقيت مقررات مجلس الوزراء محور متابعة في ظل التباينات التي شهدتها الجلسة بين فريق «القوات اللبنانية» والكتائب الذي طالب بتحديد مهلة زمنية لحصرية السلاح شمال الليطاني تنتهي في 31 آذار/مارس المقبل وبين فريق الثنائي الشيعي الذي اعترض على وضع خطة لشمال الليطاني قبل انسحاب القوات الإسرائيلية من النقاط المحتلة وتحرير الأسرى.
ماكرون: خطة الجيش
فرنسياً، رحّب الرئيس الفرنسي إيمانول ماكرون بـ«التصريحات المشجعة الصادرة عن السلطات اللبنانية لاستعادة احتكار الدولة للسلاح».
وقال في تغريدة له عبر حسابه على «إكس»: «يجب المضي قدماً في هذه العملية بحزم. وستكون المرحلة الثانية من الخطة خطوة حاسمة»، مشيراً إلى أن «على كافة الأطراف احترام اتفاق وقف الأعمال العدائية بشكل تام واستعادة سيادة لبنان بالكامل».
عراقجي يجول على الرؤساء و«حزب الله»… ورجي يطلب منه وقف التدخل
وعبّر عن «دعمه الكامل لرئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام»، مؤكداً أنّ «الشعب اللبناني يمكنه الاعتماد علينا، وفرنسا، إلى جانب شركائها، ستظل ملتزمة التزاماً كاملاً تجاه لبنان وجيشه، وسيُعقد «مؤتمر دولي قريباً في باريس لتزويد لبنان وجيشه بالوسائل الملموسة لضمان هذه السيادة».
كما وزّعت السفارة الفرنسية بياناً لوزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو جاء فيه: «ترحب فرنسا بإعلان السلطات اللبنانية تحقيق أهداف المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح في يد الدولة.
ويمثل هذا التقدم خطوة هامة نحو استعادة سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ويُظهر احترام السلطات اللبنانية للالتزامات التي قطعتها. كما يُؤكد الدور المحوري للجنة آلية مراقبة وقف إطلاق النار، بالتنسيق الوثيق مع قوة الأمم المتحدة في لبنان «اليونيفيل»، التي يظل وجودها وأنشطتها ضروريين لاستقرار جنوب لبنان وتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701».
وأضاف البيان «تدعو فرنسا السلطات اللبنانية إلى المضي قدماً بحزم في هذه العملية من خلال إطلاق المرحلة الثانية من الخطة، لترسيخ سلطة الدولة وأمن السكان بشكل دائم. كما تدعو فرنسا إسرائيل إلى ضبط النفس والامتناع عن أي عمل قد يُؤدي إلى تصعيد التوترات. وتُجدد دعمها الثابت للقوات المسلحة اللبنانية، التي تُعد ركيزة من ركائز سيادة لبنان واستقراره، وتُؤكد التزامها الكامل بالمؤتمر الدولي الداعم للقوات المسلحة اللبنانية. وستواصل جهودها، جنباً إلى جنب مع شركائها، لدعم لبنان على طريق السلام الدائم، مع احترام سيادته وسلامة أراضيه».
وزير الخارجية الإيراني
على خط آخر، برزت زيارة وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي إلى بيروت على رأس وفد اقتصادي حيث أكد له رئيس الجمهورية جوزف عون «استعداد لبنان لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين لما فيه مصلحة الشعبين اللبناني والإيراني»، مقترحاً «التنسيق بين الوزارات المعنية، لا سيما وزارتي الخارجية والاقتصاد والتجارة من خلال اللجان المشتركة». وأعاد عون التأكيد على ما قاله للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقائهما في الدوحة، من أن «لبنان حريص على إقامة أفضل العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إطار من الاحترام المتبادل والشفافية والصراحة وعدم التدخل في شؤون البلدين. وهذا الموقف لا يزال هو نفسه»، لافتاً إلى «التحديات الكبيرة التي تواجه كلاً من لبنان وإيران»، متمنياً «للشعب الإيراني الصديق مع بداية العام الجديد، الخير والأمان وراحة البال وان تكون الأيام الآتية أفضل».
أما عراقجي فأوضح «أن زيارته للبنان تندرج في إطار تعزيز العلاقات بين البلدين وتطويرها، لا سيما في المجالات الاقتصادية والتجارية»، مشدداً على «أهمية استمرار التشاور خصوصاً في القضايا المطروحة حالياً»، مجدداً تأكيد دعم بلاده «لاستقلال لبنان ووحدته وسيادته وسلامة أراضيه».
وبعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، رأى عراقجي «أن الزيارة إلى بيروت من شأنها أن تكون نقطة مفصلية جديدة في علاقتنا بلبنان والبلدان يتمتعان بعلاقات تاريخية»، وقال «حاولنا خلال الزيارة فتح صفحة جديدة من العلاقات مع لبنان في مختلف المجالات، وهناك إدراك مشترك لدى لبنان وإيران بشأن الخطر الإسرائيلي وكيفية مواجهته».
وأشار إلى أن «ما يجري في الداخل الإيراني يشبه ما حصل سابقًا في لبنان، والسبب كان ارتفاع العملة الصعبة والمشكلة نفسها نواجهها وأن الحكومة بدأت تتحاور لحل المشكلة». واعتبر الوزير الإيراني «أن احتمال التدخل العسكري ضد ايران ضعيف»، مؤكداً «أن موقفنا تجاه سوريا واضح فنحن ندعم استقلالها ووحدتها ونرفض أي إجراء لتقسيمها».
وشملت جولة عراقجي رئيس الحكومة نواف سلام حيث تحدث عن «المخاطر التي تواجه المنطقة، ولا سيما لبنان، نتيجة السياسات العدوانية التي تتبعها إسرائيل، وعلى أهمية التفاهم بين مختلف الأطراف اللبنانية، ولا سيما «حزب الله»، في مواجهة هذه التحديات».
أما الرئيس سلام فأكد «التزام الحكومة بتطبيق بيانها الوزاري الذي نالت على أساسه الثقة مرتين في مجلس النواب، بما في ذلك ثقة نواب «حزب الله»، والذي شدد بوضوح على أن قرار الحرب والسلم هو في يد الحكومة دون سواها، والتي عليها العمل على حصر السلاح بيدها وحدها». وزار عراقجي مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان وأمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم الذي رأى «أن استمرار العدوان الأمريكي – الإسرائيلي يؤكد نوايا توسعية للعدو رغم التزام لبنان بوقف النار».
رجي – عراقجي
أما اللقاء الأبرز لعراقجي فكان مع نظيره اللبناني يوسف رجي «القواتي الهوى» الذي تخلله بحثٌ صريح وواضح في عدد من المسائل والتحديات التي تواجه لبنان والعلاقات الثنائية. وأكد الوزير أن بلاده «تسعى لبناء علاقة مع لبنان تقوم على أساس المودة والاحترام المتبادل في إطار حكومتي البلدين بكامل مؤسساتهما ومكوناتهما».
واعتبر «ان المواجهة المشتركة للتحديات والمخاطر تقتضي استمرار الحوار والتشاور رغم الاختلافات في مقاربة بعض الملفات»، مشدداً على «أن ايران مهتمة باستقلال ووحدة لبنان وسيادته وأن الدفاع عنه هو مسؤولية ملقاة على عاتق الحكومة اللبنانية»، معتبراً «أن وحدة الطوائف اللبنانية تحت سقف الحكومة اللبنانية من شأنها حماية لبنان وتحقيق الاستقرار فيه»، موضحاً «أن إيران تدعم «حزب الله» كمجموعة مقاومة لكنها لا تتدخل في شؤونه على الاطلاق وأن أي قرار يتعلق بلبنان متروك للحزب نفسه». واستهل الوزير رجّي كلامه بالترحيب بالوزير، واصفاً إياه بـ«الصديق لأن الاختلاف في وجهات النظر لا يفسد في الود قضية». وأكد «حرص لبنان على إقامة أفضل العلاقات مع ايران وتقديره لاهتمامها باستقلاله وسلامته»، لكنه تمنى «لو كان الدعم الإيراني موجّهاً مباشرة إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها وليس لأي طرف آخر»، مشدداً على «أن الدفاع عن لبنان هو مسؤولية الدولة اللبنانية التي عندما تمتلك قرارها الاستراتيجي وتمسك بقرار الحرب والسلم وتحصر السلاح بيدها يمكنها عندئذ أن تطلب المساعدة من الدول بما فيها إيران». وأشار إلى «أن قيام الدولة القادرة على الدفاع عن أرضها وشعبها لا يمكن أن يتم في ظل وجود تنظيم مسلّح خارج عن سلطتها»، متوجهاً إلى عراقجي بسؤال «إذا كانت طهران تقبل بوجود تنظيم مسلح غير شرعي على أراضيها؟».
ودعا رجي إيران إلى «البحث مع لبنان في إيجاد مقاربة جديدة بشأن سلاح «حزب الله» انطلاقاً من علاقتها بالحزب كي لا يكون هذا السلاح ذريعة لإضعاف لبنان وأي طائفة فيه»، مؤكداً «أن الطائفة الشيعية ليست مستهدفة وأن الضمانة الوحيدة المستدامة لها ولباقي الطوائف هي في الوحدة وفي أن تكون تحت سقف الدولة والقانون»، مشيراً إلى «أن التجارب أثبتت أن السلاح لم يستطع الدفاع عن الطائفة الشيعية وعن لبنان وكل مكوناته».
وفيما يتعلق بملف إعادة الإعمار، أوضح «أن عدم بدء العملية حتى الآن يعود أولاً إلى وجود انطباع عام بأن الحرب لم تنته بعد، وثانياً أن الدول القادرة على مساعدة لبنان في هذا المجال تشترط نزع السلاح». وفي الختام تمنى الوزير رجّي على نظيره الايراني «أن يوقف بعض المسؤولين الايرانيين تصريحاتهم ومواقفهم التي تعتبر تدخلاً فاضحاً في الشأن اللبناني».
