تقلد المخرج المغربي وحيد شكيب، مؤسس فرقة الحيرة (Compagnie de l’Incertitude) التابعة للجنة الأنشطة الاجتماعية بمركز البحث العلمي في بوردو (CAES à Bordeaux)، وسام فارس الفنون والآداب (Chevalier de l’Ordre des Arts et des Lettres) في نهاية عام 2025.
وحسب مجلة CAES Mag – Le média collaboratif du CAES du CNRS، يأتي هذا التتويج تتويجا لمسيرة طويلة من العمل المتواصل لجعل المسرح متاحا لجميع الفئات، مؤمنا بأن الفن هو أداة للتحرر والتلاقي الإنساني.

يعيش شكيب الحياة وكأنها خشبة عرض مفتوحة على اللانهاية، فتتداخل شخصيته بين الضحك والدموع والكلمة والحركة في تدفق دائم من الطاقة.
في هذا الصدد، يؤكد شكيب أن “المسرح ينمي الروح للصغار والكبار على حد سواء، إنه لغة كونية تتجاوز الحدود وقيمة مشتركة تفتح نوافذ على العالم”.

بعد تتويجه بالوسام، عبر شكيب عن تواضعه وإصراره على الاستمرار، مؤكدا أن هذا التكريم ملك لكل الذين رافقوه منذ التسعينيات، من سكان الأحياء الشعبية إلى طلاب المدارس ونزلاء السجون والمراكز الاجتماعية.
منذ 2008، يقود شكيب فرقة الحيرة، التي تحولت إلى عائلة مسرحية متماسكة ومغامرة إنسانية، مشيرا إلى أن “الروابط بيننا استثنائية والفصول الأجمل لم تكتب بعد”، وفق تصريحه للمجلة.
بدأ شغفه بالمسرح في القنيطرة، عندما زار مهرجون مدرسته الابتدائية، وكان طفلا خجولا مصابا بالتأتأة بعد وفاة والديه.
وفي عام 1979، صعد لأول مرة خشبة المعهد الفرنسي بالقنيطرة، ثم التحق بالكونسرفتوار عام 1988، وحقق عام 1992 قفزة نوعية بإخراجه مسرحية نهاية اللعبة لصامويل بيكيت، والتي فتحت له أبواب فرنسا.

ولم تكن الموهبة الفطرية لوحدها كافية لصقل رؤيته الفنية، بل عززها بمسار أكاديمي رصين في الرباط، حيث تخرج سنة 1993 من المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي (ISADAC).
هذا الصرح الذي منحه الأدوات العلمية والتقنية لفهم أبعاد الخشبة وشكل محطة حاسمة في بلورة وعيه المسرحي قبل أن ينطلق نحو الضفة الأخرى.
حصل لاحقا على منحة لمتابعة الدراسة العليا في جامعة بوردو 3، حيث نال شهادة الدكتوراه عام 1993.

رغم البداية مع الكوميديا، اختار شكيب الدراما كأرض صلبة لإبداعه، لإيمانه بأنها تلامس جوهر الإنسان ومعاناته.
ومن هنا أطلق مهرجان مشاهد الاستقبال (Scènes d’accueil) منذ 2006 لتلاميذ المهاجرين الجدد في بوردو، حيث يعمل معهم لمدة عام كامل لاكتساب اللغة الفرنسية واستعادة الثقة بالنفس، وصولا إلى تقديم عروضهم على خشبة المسرح الوطني ببوردو (TnBA).
يبقى وحيد شكيب، الناقل الثقافي، محتفظا بروح الطفل وحماسه الدائم، مؤكدا أن الحلم هو محركه الأساسي.

ويعتبر مسرحه مساحة حرة لاكتشاف أحزان الإنسان وأفراحه وشياطينه، بعيدا عن صخب الكراهية والجهل، حيث يجد كل فرد صوته من خلال كلمات الآخرين.
ولا يقتصر منهج شكيب على الجانب الجمالي فحسب، بل يتعداه إلى ترسيخ مفهوم “المسرح كممارسة للمواطنة”، حيث يسعى من خلال ورشاته في السجون والأحياء الهامشية إلى منح الفئات المهمشة “حق الكلام” واستعادة مكانتهم داخل الفضاء العام، محولا الخشبة إلى مختبر لإعادة بناء الثقة بالذات وبالآخر.

ولا ينفصل المسار الإبداعي لوحيد شكيب عن بعده البيداغوجي والتربوي، حيث يحرص أساتذة ماستر التربية الجمالية بكلية علوم التربية بالرباط على استضافته كخبير دولي في التربية المسرحية لعقد لقاءات فكرية، ومن أبرزها ندوة ” المسرح والمدرسة.. ممارسات ورهانات ” التي احتضنتها الكلية في ماي 2022.
فعلاقته بكلية علوم التربية هي علاقة زيارة دائمة، إذ يحل وحيد شكيب ضيفا وفيا على دورات الملتقى الدولي للتربية الجمالية الذي وصل هذا العام إلى دورته العاشرة، وأطر في وقت سابق ورشات تخصصية حول ” إعداد مشاريع التربية الفنية والثقافية “، و”المسرح” مساهما بخبرته المسرحية الواسعة في نشر قيم التربية الجمالية والفنية بين الباحثين والطلبة.

