على خشبة مسرح “مونو” في بيروت، يقدّم الكاتب والمخرج اللبناني يحيى جابر مسرحيته الجديدة “القُرْنَة البيضا” (البيضاء).
المسرحية، التي تؤدي أدوارها المتعددة بشكلٍ منفرد الممثلة اللبنانية ماريا الدويهي، تنطلق من العادات والروابط الاجتماعية في مناطق محددة بشمال لبنان، ضمن قالبٍ خاص تمتزج فيه روح الفكاهة مع الحزن.
العمل ارتكز على نصٍ يستعيد أصوات نساء من شمال لبنان عبر سردياتٍ شخصيةٍ متداخلة، تستحضر الذاكرة والهوية والتحولات الاجتماعية في منتصف القرن العشرين.
اعتمدت المسرحية على أداءٍ فردي كثيف، تنقلت فيه الدويهي بين شخصيات متعددة، مستخدمةً تغيير الصوت وأسلوب الكلام والإيماءة، ضمن رؤية إخراجية تميل إلى التقشف البصري والتركيز على الكلمة والأداء، مقدّمةً عملًا يحتفي بالمرأة بوصفها حاملةً للذاكرة الجماعية وشاهدةً على زمن.
وقد كشف المخرج يحيى جابر، أن مسرحية “القُرْنة البيضا” تعالج حكاية من حكايات المجتمع اللبناني، وتحديدًا في شمال لبنان.
وأضاف أنها منطقة تدعى “القُرْنَة البيضا”، أعلى من “القُرْنَة السوداء” (القمة الأعلى في لبنان)، وهو من اخترعها شخصيًا، لافتًا إلى أن المسرحية تقدم حكايات غريبةً عجيبة من الواقع اليومي والمتخيل.
كواليس مسرحية القرنة البيضا
وقد قالت الممثلة المسرحية ماريا الدويهي، إن التعاون مع المسرحي اللبناني يحيى جابر جاء ضمن مسار طويل.
وبحسب ما قالته لبرنامج “ضفاف” الذي يعرض على شاشة “العربي 2″، فإن العمل على مسرحية “القرنة البيضا” استمر لنحو عام كامل قبل الوصول إلى صيغته النهائية.
وأضافت الدويهي أن جابر، المعروف باشتغاله على أعمال من البيئات والمناطق اللبنانية، أبدى اهتمامًا خاصًا بالمنطقة التي تنتمي إليها، شارحة أنها من بلدة زغرتا في شمال لبنان، ما منح العمل خصوصية لغوية واجتماعية وثقافية ودينية.
وبحسب ما قالت، فإن هذا الاهتمام دفع إلى عقد عدة جلسات تحضيرية قبل اتخاذ قرار التعاون، جرى خلالها تبادل معلومات واسعة، شملت كتبًا ومقاطع فيديو وشهادات لأشخاص من المنطقة يتحدثون بلهجتها ويروون طرائفها وخصوصياتها.
ولفتت إلى أن هذه العملية مكنتها شخصيًا من إعادة اكتشاف بيئتها التي كانت قد ابتعدت عنها نسبيًا.
تسليط الضوء على المرأة
إلى ذلك، أشارت الدويهي إلى أن جابر واصل في هذه المسرحية تركيزه على المرأة، كما في أعماله الأخرى، حيث تشكل الشخصيات النسائية الغالبية، مع إضاءة خاصة على المرأة في البيئات الريفية الصغيرة، وهي بيئات قد تختلف في تفاصيلها لكنها تتشابه في جذورها وعاداتها وتقاليدها، سواء في لبنان أو في العالم العربي.
وأضافت أن المسرحية تبرز القواسم المشتركة بين النساء، مهما اختلفت انتماءاتهن الدينية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خصوصية كل منطقة.
وأشارت إلى أن ردود الفعل بعد العرض الأول، أظهرت أن الجمهور يكتشف منطقة لم يكن يعرفها سابقًا.
برأيها، هذا الجانب بالغ الأهمية، كونه يسلط الضوء على تاريخ المنطقة وشخصياتها ونسائها والإشكاليات التي تعيشها المرأة، سواء في موقعها داخل العائلة، أو كزوجة، أو في علاقتها بالمجتمع والدين.
وأكدت الدويهي أن النص يطرح هذه القضايا ضمن حبكة درامية مشوقة، موضحة أن الجديد في هذا العمل لا يقتصر على البعد الاجتماعي والسوسيولوجي، بل يتمثل أيضًا في بناء درامي متقن، يعتمد على لوحات متعددة تبدأ من “القرنة البيضا”، وتنتقل إلى زغرتا ثم إهدن، عابرة أزمنة وشخصيات مختلفة، يربط بينها خيط درامي واحد ينكشف في نهاية المسرحية.

