القدس المحتلة- مع دخول الاحتجاجات في إيران أسبوعها الثالث، رفعت إسرائيل مستوى التأهب إلى الدرجة القصوى على الجبهة الداخلية، وعززت جاهزية سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي، تحسبا لأي رد إيراني محتمل إذا أقدمت الولايات المتحدة على توجيه ضربة عسكرية لطهران.

وفي إطار هذه الاستعدادات، أصدرت قيادة الجبهة الداخلية تعليمات للسلطات المحلية بالاستعداد الكامل وتجهيز الملاجئ، مع التشديد في الوقت ذاته على تجنب إطلاق تهديدات مباشرة لإيران، تفاديا لإثارة القلق في أوساط الإسرائيليين، ومحاولة الإيحاء بأن الحياة تسير بشكل طبيعي.

ورغم هذا الحرص الإعلامي، فإن المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل تواصلان عقد مشاورات مكثفة لتقييم الجهوزية المدنية والعسكرية، في ظل حالة استنفار غير مسبوقة تحسبا لأي تطور مفاجئ مرتبط بالملف الإيراني.

ويجري رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة– مباحثات أمنية متواصلة مع رئيس الأركان إيال زامير، إلى جانب جلسات متلاحقة للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية “الكابينت”، في سياق يعكس الاستعداد لسيناريوهات قد تشمل مواجهة عسكرية محتملة مع إيران.

حالة تأهب

وحذرت أجهزة الأمن الإسرائيلية -خلال جلسات مغلقة- من إمكانية اندلاع مواجهة مفاجئة على أكثر من جبهة، من بينها الجبهة الإيرانية، في حين أوعز رئيس الأركان بالحفاظ على أعلى درجات الجاهزية، حسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”.

وأفادت هيئة البث الإسرائيلية “كان 11” بأن تل أبيب تراقب تطورات الاحتجاجات في إيران عن كثب، وتعتبرها أخطر تحد يواجه النظام منذ عام 1979، مع الإقرار بوجود قيود لا تزال تحد من قدرة هذا الحراك على إحداث تغيير حاسم.

ونقلت القناة الـ12 الإسرائيلية عن مصادر أمنية تحذيرها الوزراء من الإدلاء بتصريحات حول إيران، خشية أن تؤدي أي مواقف غير محسوبة إلى تصعيد غير مقصود.

وأكد أحد المسؤولين أن “الوضع متوتر بما فيه الكفاية، وأي تصريح قد يجر إسرائيل إلى مواجهة لا ترغب فيها في هذه المرحلة”.

وحسب تقديرات أميركية وإسرائيلية، فإن الخطر الأكبر يكمن في سوء التقدير المتبادل، الذي قد يدفع أحد الطرفين إلى استباق هجوم متوهم من الطرف الآخر.

وترى هذه التقديرات أن التركيز الأميركي على احتمالات تغيير النظام يفرض على إسرائيل قدرا كبيرا من الحذر، لتفادي الانزلاق إلى مواجهة مباشرة ربما لا تحتملها جبهتها الداخلية، في ظل خطر الصواريخ الإيرانية، واستحضارا لتجربة المواجهة التي شهدها الجانبان في يونيو/حزيران 2025.

وعليه، تفضل تل أبيب في المرحلة الراهنة التزام الحذر، وترك زمام المبادرة للولايات المتحدة، مع استمرار التنسيق الأمني معها، ومواصلة رفع مستوى الجهوزية والاستعداد لأي طارئ، في ظل حالة تأهب قصوى تحسبا لأي تطور مرتبط بالملف الإيراني.

رفع الجهوزية في سلاح الجو الإسرائيلي تحسبا لي طارئ مع إيران. (صور 3 إلى 7 تصوير المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عممها للاستعمال الحر لوسائل الإعلام)رفع الجهوزية القصوى في سلاح الجو الإسرائيلي تحسبا لأي طارئ مع إيران (إعلام الجيش الإسرائيلي)رفع الجاهزية

وحسب مراسل الشؤون العسكرية في القناة الـ12 الإسرائيلية شاي ليفي، فإن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بشأن إمكانية توجيه ضربة للنظام الإيراني، إلى جانب استمرار الاحتجاجات الداخلية في طهران، دفعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى رفع الجاهزية وإجراء تقييمات متواصلة للوضع بإشراف رئيس هيئة الأركان.

وأكد ليفي أن الجيش الإسرائيلي أجرى، الأحد، تقييمات ومشاورات، عقبها رفع مستوى الجاهزية العملياتية وعزز منظوماته الدفاعية وكثف جمع المعلومات الاستخبارية، مشددا على أن المؤسسة العسكرية مستعدة للرد بقوة واتخاذ كل ما يلزم لحماية الإسرائيليين إذا تطورت الأوضاع إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

وأوضح أن إسرائيل تتعامل مع سيناريو أي تدخل أميركي باعتباره تطورا قد يغير ميزان الاستقرار الإقليمي سريعا، ويضعها في دائرة الرد الإيراني المحتمل.

وأشار إلى أن تل أبيب تتابع تطورات إيران عن كثب، ورغم اعتبار الجيش الإسرائيلي الاحتجاجات شأنا داخليا، فإن التقديرات الأمنية ترجح أن أي اهتزاز للنظام قد يدفع طهران لرسائل ردع خارجية، قد تشمل استهداف إسرائيل أو قواعد أميركية، مما يثير مخاوف من تصعيد متعدد الجبهات.

من جانبه، يرى المراسل العسكري لصحيفة “معاريف”، آفي أشكنازي، أن إسرائيل تتعمد خفض مستوى ظهورها الإعلامي إزاء الاحتجاجات في إيران، وتتجنب الإدلاء بتصريحات علنية، خشية أن يسهم ذلك في توحيد صفوف النظام الإيراني ضدها، عبر تصوير ما يجري على أنه نتيجة “تدخلات خارجية” تقودها إسرائيل والولايات المتحدة.

وأشار أشكنازي إلى أن هذا النهج يختلف عن خطاب ترامب، الذي لوح بإمكانية توجيه ضربة عسكرية إذا واصلت طهران قمع الاحتجاجات بعنف مفرط.

في المقابل، تفضل تل أبيب العمل بصمت، إدراكا منها أن أي تصعيد لفظي قد يستغل داخليا في إيران لحشد الشارع خلف القيادة وتبرير خطوات عسكرية خارجية.

وحسب تحليله، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وعلى رأسها جهاز الاستخبارات، تتابع التطورات في إيران عن كثب، وتستعد لسيناريو تشعر فيه القيادة الإيرانية بأنها محاصرة، مما قد يدفعها إلى توجيه ضربات صاروخية ضد أهداف أميركية في المنطقة، وكذلك ضد إسرائيل.

وفي مثل هذا السيناريو، يتوقع أشكنازي أن تجد إسرائيل نفسها مضطرة للرد، لا سيما عبر سلاح الجو، مستندة إلى ما تعتبره تفوقا جويا واختراقا استخباريا عميقا داخل إيران.

نتنياهو يجري مشاورات أمنية مكثفة مع وزراء الحكومة بشأن التطورات في إيران. (صور 1+2 تصوير مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي عممها للاستعمال الحر لوسائل الإعلام)نتنياهو يجري مشاورات أمنية مكثفة مع وزراء الحكومة بشأن التطورات في إيران (إعلام الجيش الإسرائيلي)ضربة استباقية

من جانبه، قال المحلل العسكري في موقع “زمان يسرائيل” أمير بار شالوم إن إسرائيل تتابع بترقب بالغ التطورات في إيران، وتجري تقييما يوميا للوضع، محذرا من أن احتمال إقدام طهران على خطوة “يائسة” بات مطروحا.

وأوضح أن النظام الإيراني قد يلجأ إلى إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل في محاولة لخلط الأوراق وصرف أنظار الشارع عن الاحتجاجات الداخلية، معتبرا أن ذلك سيكون “رهانا خطيرا”.

وأضاف بار شالوم أن إسرائيل -وربما الولايات المتحدة أيضا- سترد على أي هجوم من هذا النوع، مشيرا إلى أن مثل هذا التصعيد قد يساهم في إخماد المظاهرات مؤقتا، لكنه لا يضمن تماسك الشارع الإيراني خلف قيادته الحالية.

ولتفادي أي سوء تقدير في هذه المرحلة الحساسة، لفت إلى أن نتنياهو أصدر تعليماته للوزراء بالتزام الصمت وعدم إجراء مقابلات حول الملف الإيراني، خشية أن تفسر تصريحاتهم على أنها تمهيد لهجوم إسرائيلي وشيك، مما قد يضع طهران في زاوية حرجة ويدفعها إلى تنفيذ ضربة استباقية ضد إسرائيل.