عمان- دعا اقتصاديون إلى تبني سياسات حكومية جادة وواضحة لدعم استدامة الشركات العائلية عبر اعتماد تشريع خاص أو إطار وطني منظم لهذا القطاع الذي يشكل 85 % من الشركات العاملة في الأردن.
وبين هؤلاء أن استدامة الشركات العائلية لا تقتصر على العائلات المالكة بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص لضمان استمرار مساهمة هذه الشركات في التشغيل والإنتاج المحلي وتعزيز النمو الاقتصادي.
ويلفت خبراء إلى أن أكبر التحديات التي تواجه الشركات العائلية تتمثل في قضايا الحوكمة واستدامة الانتقال بين الأجيال، إذ يعتمد الجيل المؤسس غالبا على مركزية القرار والرؤية الفردية، ما يسهم في نجاح الشركات في مراحلها الأولى.
غير أن المشكلات تبدأ بالظهور عند انتقال الملكية والإدارة إلى الجيل الثالث، حيث تنشأ الخلافات وتتشكل النزاعات وتتشتت الرؤى، الأمر الذي قد يؤدي في كثير من الحالات إلى تفكك الشركات أو انهيارها.
وشدد الخبراء على أهمية وجود تشريع خاص أو إطار وطني منظم للشركات العائلية، أسوة بالعديد من الدول، مؤكدين أن الحوكمة المؤسسية وفصل الملكية عن الإدارة يمثلان عنصرا حاسما في استدامة الشركات العائلية.
يأتي ذلك في الوقت الذي تشير فيه دراسات عالمية إلى أن 3 % فقط من الشركات العائلية في العالم تؤول للجيل الرابع، ما يعني أن 97 % منها تندثر لأسباب عدة منها غياب الحاكمية الرشيدة وعدم وجود ميثاق ينظم العلاقة بين الشركاء وأفراد العائلة.
وبحسب إحصائيات دائرة مراقبة الشركات، تشكل الشركات العائلية في المملكة 85 % من إجمالي الشركات العامة فيها البالغ عددها 60 ألف شركة، فيما تسهم بما يزيد على 60 % من الناتج المحلي الإجمالي، فضلا عن توفيرها لأكثر من 70 % من فرص العمل.
العلاونة: أهمية وجود تشريع خاص أو إطار وطني منظم للشركات العائلية
بدوره، أكد رئيس جمعية رجال الأعمال الأردنيين أيمن العلاونة أن الشركات العائلية تشكل أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد الوطني، نظرا لدورها المحوري في دعم النمو الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
وشدد على أهمية العمل الجاد لضمان استدامتها واستمراريتها عبر الأجيال، في ظل ما تعكسه الدراسات من حجم التحديات التي تواجه هذا النوع من الشركات، ولا سيما تلك المتعلقة بغياب التخطيط المؤسسي، وتعاقب الأجيال، وتطبيق مبادئ الحوكمة.
وأضاف العلاونة، أن الحفاظ على استدامة الشركات العائلية يتطلب تبني سياسات حكومية داعمة وواضحة، تشمل توفير بيئة تشريعية مرنة، وحوافز ضريبية وتمويلية، إلى جانب برامج تدريب واستشارات متخصصة في مجالات الحوكمة المؤسسية، والتخطيط الإستراتيجي، ونقل الملكية بين الأجيال.
وأشار العلاونة إلى أن الأردن بحاجة إلى تشريع خاص أو إطار وطني منظم للشركات العائلية، أسوة بالعديد من الدول، يهدف إلى تنظيم العلاقة بين أفراد العائلة المالكة للشركة، والحد من النزاعات، وتعزيز مبادئ الشفافية والإفصاح، بما يضمن استمرارية هذه الشركات وقدرتها على التوسع والمنافسة.
وأكد أن الحوكمة المؤسسية وفصل الملكية عن الإدارة يمثلان عنصرا حاسما في استدامة الشركات العائلية، موضحا أن اعتماد هياكل إدارية محترفة وتفعيل دور مجالس الإدارة يسهم في تحسين الأداء، ورفع كفاءة اتخاذ القرار، وضمان العدالة بين الشركاء.
وأوضح العلاونة أن الشركات العائلية تمثل نسبة كبيرة من منشآت القطاع الخاص في الأردن، وتسهم بشكل ملموس في الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى دورها الأساسي في توفير فرص العمل، واستيعاب شريحة واسعة من القوى العاملة. كما شدد على أن استدامة الشركات العائلية ليست مسؤولية العائلات المالكة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، لضمان استمرار مساهمة هذه الشركات في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة.
أبو حلتم: فصل الملكية عن الإدارة يعد حجر الأساس في حوكمة الشركات العائلية
وأكد الخبير الاقتصادي د. إياد أبو حلتم أن الشركات العائلية تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد، لا سيما في الدول العربية، وفي مقدمتها الأردن، حيث تمثل ما يزيد على 85 % من إجمالي عدد الشركات العاملة، وتسهم بما يزيد على  60% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلا عن توفيرها لأكثر من 70 % من فرص العمل، ما يجعلها ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وأوضح أبو حلتم أن أكبر التحديات التي تواجه الشركات العائلية تتمثل في قضايا الحوكمة واستدامة الانتقال بين الأجيال، مشيرا إلى أن الجيل المؤسس غالبا ما يعتمد على مركزية القرار والرؤية الفردية، ما يسهم في نجاح الشركات في مراحلها الأولى، إلا أن المشكلات تبدأ بالظهور عند انتقال الملكية والإدارة إلى الجيل الثالث، حيث تنشأ الخلافات وتتشكل النزاعات وتتشتت الرؤى، الأمر الذي قد يؤدي في كثير من الحالات إلى تفكك الشركات أو انهيارها.
وشدد على أن تجاوز هذه التحديات يتطلب سياسات حكومية واضحة تدعم حوكمة الشركات العائلية، من خلال ربط برامج التمويل والقروض الميسرة بتطبيق معايير حوكمة محددة، وتوفير دعم فني متخصص، وإنشاء وحدة وطنية معنية بالشركات العائلية في وزارة الصناعة والتجارة والتموين، تتولى تقديم الاستشارات المتعلقة بانتقال الملكية من جيل إلى آخر، وتسهيل التحول من شركات عائلية إلى شركات مساهمة، بما يعزز الشفافية ويقوي الهياكل الإدارية.
ودعا أبو حلتم إلى إقرار إطار وطني خاص للشركات العائلية، سواء عبر تشريع مستقل أو من خلال أنظمة وتعليمات، يمنح الميثاق العائلي صفة قانونية ملزمة أمام القضاء أو التحكيم، وينظم انتقال الحصص، ويضع قواعد واضحة تمنع تفتت الملكية، مع إقرار حق الأولوية في الشراء لأعضاء العائلة، بما يحد من النزاعات ويحافظ على تماسك الكيان الاقتصادي.
وأكد أن فصل الملكية عن الإدارة يعد حجر الأساس في حوكمة الشركات العائلية، ويمثل جهاز المناعة الحقيقي لها، من خلال الفصل بين مجلس العائلة ومجلس الإدارة، واعتماد الكفاءة والخبرة في الإدارة، واستقطاب كفاءات خارجية قادرة على إدارة الشركات بعقلية اقتصادية بعيدة عن العاطفة، بما يضمن ديمومتها وتحولها إلى مؤسسات اقتصادية قوية وقادرة على المنافسة.
وأكد أبو حلتم على أهمية تعزيز دور الغرف الاقتصادية في المحاكم، وتخصيص قضاة ذوي خبرة في الشأن الاقتصادي والتجاري، بما يسهم في سرعة الفصل في النزاعات، ويحمي سمعة الشركات واستمراريتها، مشيرا إلى أن الشركات العائلية تمثل أيضا حاضنة رئيسة لريادة الأعمال، وتشكل مصدرا مهما لترسيخ ثقافة الريادة في الاقتصاد الأردني.
الصمادي: الشركات العائلية تشكل العمود الفقري للاقتصاد الأردني
وقال عضو مجلس إدارة غرفة التجارة الأوروبية في الأردن م. محمد الصمادي، إن الشركات العائلية تشكل العمود الفقري للاقتصاد الأردني، إذ تشير التقديرات إلى أنها تمثل ما يزيد على 85 % من شركات القطاع الخاص، وتوفر ما يقارب 60–70 % من فرص العمل، وتسهم بشكل مباشر وغير مباشر في الناتج المحلي الإجمالي، لا سيما في القطاعات الصناعية والتجارية والخدمية.
وأوضح الصمادي أن التحدي الرئيس الذي تواجهه الشركات العائلية لا يرتبط بطبيعتها العائلية، بل بقدرتها على التحول المؤسسي مع تعاقب الأجيال، لافتا إلى أن الدراسات العالمية تظهر أن نحو 30 % فقط من الشركات العائلية تنجح في الانتقال إلى الجيل الثاني، وتنخفض النسبة إلى قرابة 12 % في الجيل الثالث، وأقل من 3 % في الجيل الرابع، وهو ما يعكس فجوة واضحة في الحوكمة والتخطيط طويل الأمد.
وأضاف الصمادي، الذي يشغل أيضا منصب نائب الرئيس في مجموعة العملاق الصناعية، أن رؤية التحديث الاقتصادي شددت على أهمية تعزيز استدامة القطاع الخاص وزيادة مساهمته في النمو وخلق فرص العمل، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون معالجة التحديات الهيكلية التي تواجه الشركات العائلية بوصفها المكون الأكبر للاقتصاد الوطني، خاصة في ظل مستهدفات الرؤية الرامية إلى رفع معدلات النمو وتوليد أكثر من مليون فرصة عمل خلال العقد المقبل.
وأشار الصمادي إلى أن السياسات الحكومية المطلوبة يجب أن تقوم على بناء إطار وطني داعم للشركات العائلية، يربط بين الحوافز والتسهيلات من جهة، وبين تبني مبادئ الحوكمة المؤسسية من جهة أخرى، بما في ذلك وجود مجالس إدارة فاعلة، وفصل واضح بين الملكية والإدارة التنفيذية، وخطط معتمدة لانتقال القيادة، مؤكدا أن هذا التوجه يتماشى مع محاور رؤية التحديث الاقتصادي المتعلقة بتحسين بيئة الأعمال، ورفع الإنتاجية، وتعزيز التنافسية.
وأكد أن الحوكمة المؤسسية وفصل الملكية عن الإدارة يعدان عنصرين حاسمين في ضمان استدامة الشركات العائلية، موضحا أن التجارب العملية تُظهر أن الشركات التي تعتمد هذا النموذج تكون أكثر قدرة على جذب التمويل، والدخول في شراكات استراتيجية، والتوسع في الأسواق الإقليمية والدولية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي في زيادة الصادرات وجذب الاستثمارات.
عوض: أهمية وجود نموذج مؤسسي لتعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية
وأكد مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية، أحمد عوض، أن الشركات العائلية في الأردن تمثل جزءا أساسيا من القطاع الخاص، وتمتد في مجالات التجارة والصناعة والخدمات، وترتبط ارتباطا وثيقا بفرص العمل والاستقرار الاجتماعي في المدن والمحافظات.
وأضاف عوض أن التحدي الرئيسي للشركات العائلية يكمن في استدامتها عبر الأجيال، مشيرا إلى أن انتقال القيادة والملكية غالبا ما يفتح باب الخلافات حول الصلاحيات، وتوزيع الأرباح، واتجاهات التوسع، خصوصا مع اتساع العائلة، وتعدد الورثة، وتباين الخبرات.
وأكد عوض أهمية توفير بيئة تُمكّن الشركات العائلية من التحول من نموذج قائم على المؤسس إلى نموذج مؤسسي، ويشمل ذلك تعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية، وتطوير مسارات فعالة للتحكيم والوساطة لحل النزاعات التجارية بسرعة، لأن النزاعات الطويلة تستهلك السيولة، وتُضعف الثقة، وتهدد بقاء الشركة. 
وأشار عوض إلى أهمية دعم برامج بناء القدرات في مجالات الإدارة المالية، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي، والموارد البشرية، مؤكدا أن عملية المأسسة تعتمد على الأنظمة وليس الاجتهاد الشخصي.
وحول التشريعات الخاصة بالشركات العائلية، قال عوض إن الأقرب للممارسة الفضلى هو البدء بإطار وطني توجيهي، ومدونة حوكمة بالتعاون مع القطاع الخاص، مع إجراء تعديلات محددة ضمن القوانين القائمة عند الحاجة، بدلا من سن قانون منفصل منذ البداية.
وأكد عوض أن الحوكمة وفصل الملكية عن الإدارة يمثلان عنصرين أساسيين، حيث تحدد العائلة الرؤية والرقابة، بينما تُدير الإدارة التنفيذية التشغيل بصلاحيات واضحة ومؤشرات أداء، سواء كانت من داخل العائلة أو من محترفين خارجيين.
العرموطي: دليل حوكمة مخصص للشركات العائلية قريبا
من جهته، أكد مراقب عام الشركات الدكتور وائل العرموطي، أن دائرة مراقبة الشركات ستُطلق قريبا دليل حوكمة مخصصا للشركات العائلية، يهدف إلى توفير مرجعية واضحة للشركات لتنظيم علاقاتها الداخلية، وضمان استمرارية الأعمال بين الأجيال، بما يعزز الشفافية والعدالة بين الشركاء.
وأشار العرموطي إلى أن الدائرة ستعمل على تكثيف حملات التوعية المرتبطة بدليل الإجراءات، والذي سيتضمن ما يشبه “دستورا عائليا” يوضح بيئة العمل الداخلية، ويحدد صلاحيات ومسؤوليات كل شريك، ويساعد الشركات على تنظيم القرارات الكبرى، بما يقلل من النزاعات ويضمن استقرار الشركة على المدى الطويل.
وأكد العرموطي أن الدليل سيركز أيضا على فصل الملكية عن الإدارة التنفيذية، وتوضيح أدوار وآليات الوساطة والتحكيم في حال حدوث خلافات بين الورثة أو الشركاء، مشددا على أن هذه الخطوات تضمن حماية الشركات العائلية من النزاعات الطويلة التي قد تهدد استدامتها، وتساعد على تطوير بيئة عمل مؤسسية وفعالة.

اضافة اعلان

Image1_1202611214646953324534.jpg