في الحادي عشر من يناير عام 1759، لم يكن الكهنة في مدينة فيلادلفيا الأمريكية يدركون أنهم يضعون حجر الأساس لصناعة ستدير اقتصادات العالم بعد قرنين ونصف. في ذلك التاريخ، تأسست أول شركة تأمين على الحياة بمفهومها المؤسسي تحت اسم طويل ومعبر: “مؤسسة إغاثة الأرامل الفقيرات والمعاقات وأبناء كهنة الكنائس”.


 


واليوم، تمر الذكرى 267 على هذا الحدث، نستعيد قصة تطور “فكرة الأمان” من مجرد عمل خيري كهنوتي، إلى إمبراطورية مالية تتجاوز ميزانياتها الناتج المحلي لأغلب دول العالم.


الريادة الأمريكية.. والميراث البريطاني


بينما نجحت الولايات المتحدة في اقتناص “براءة الاختراع” لأول شركة تأمين على الحياة استمرت في العمل تحت اسم “صندوق كهنة المشيخية” حتى 1988، ثم استحوذت عليها في 2002، فإن التاريخ يحفظ لبريطانيا دورها المحوري في تطوير “التأمين ضد الحريق” عقب حريق لندن الكبير عام 1666.


لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود؛ فقد شهدت هذه الصناعة ما عُرف بـ “عصر الفقاعة”، حيث انتشرت شركات تأمين قامت على الاحتيال والمضاربة بأموال العملاء، مستغلة الرغبة البشرية في الربح السريع، قبل أن تتدخل القوانين لتنظيم السوق.


من “حمورابي” إلى “الإغريق”.. جذور الفكرة


لم تكن فكرة التأمين وليدة العصر الحديث، بل هي رغبة فطرية قديمة قدم الإنسان، بداية من قانون حمورابي (1750 ق.م): وثق أول شكل للتأمين التجاري، حيث كان التجار في بابل والصين يوزعون بضائعهم على سفن عدة لتفتيت المخاطر، ويدفعون مبالغ إضافية لتعويضهم بالكامل في حال السرقة أو الغرق، وصولا إلى قوانين الإغريق والرومان، إذ وضعوا اللبنات الأولى للتأمين الصحي وعلى الحياة، ولكن في صور تكافلية واجتماعية لرعاية أسر المتوفين.


لغة الأرقام.. التأمين يحكم العالم


تحول التأمين من مجرد “وثيقة حماية” إلى عمود فقري للاقتصاد العالمي ومصدر رئيسي للتمويل طويل الأجل. ووفقاً لبيانات “ستاتيستا” الألمانية، تجاوز حجم أقساط التأمين العالمية حاجز الـ 6 تريليونات دولار (وفق إحصاءات 2019)، وهو رقم يفوق اقتصاديات دول عظمى باستثناء أمريكا والصين.


وقد شهد العقد الأخير تحولاً نوعياً في خريطة التأمين؛ فبعد أن كان “التأمين على الحياة” يسيطر على 60% من السوق العالمية، بدأ منذ عام 2017 يفسح المجال لصالح “التأمين على الممتلكات” والأصول الرقمية والتقنية، مواكبةً لتطورات العصر.


ما هو “عقد الحياة”؟


في المفهوم الحديث، يُعرف التأمين على الحياة بأنه عقد قانوني ملزم، تتعهد فيه الشركة بدفع مبلغ (استحقاق) عند وفاة المؤمن عليه أو إصابته بمرض عضال، مقابل أقساط منتظمة.


وتتنوع الوثائق بين “تأمين الحماية” وهو مبلغ إجمالي يدفع لمرة واحدة عند وقوع الحادث (الوفاة أو العجز)، و”تأمين الاستثمار” يهدف لنمو رأس المال والادخار بجانب الحماية.


ورغم شمولية هذه الوثائق، فإنها تضع “استثناءات” صارمة لإخلاء المسؤولية، أبرزها حالات الانتحار، الاحتيال، والوفاة نتيجة الحروب أو الشغب، لتبقى هذه الصناعة قائمة على موازنة دقيقة بين “إدارة المخاطر” و”حماية الأصول”.