لم يكن المعاون أول في قوى الأمن الداخلي، محمد حمزة حمزة، يعلم أن إجازته القانونية التي نالها ليحتضن طفليه في إقليم كردستان العراق، ستتحول إلى رحلة نحو المجهول، تاركاً خلفه عائلة تقتات على القلق، وأماً يمزق الحزن نياط قلبها وهي تنتظر خبراً يطفئ نار غيابه.
في السابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر، غادر محمد بلدته “الخضر” البقاعية، حاملاً في حقيبته هدايا لولديه (ايلي 17 عاماً ووليم 15 عاماً) وشوقاً لم تطفئه المسافات.
سافر بإذن رسمي من مؤسسته الأمنية، متوجهاً إلى دهوك حيث تقيم زوجته الكردية السورية دوزي محمد أزاك، التي تحمل الجنسية اللبنانية، وتملك إقامة لمدة عام مع ولديها، لكن الفرحة لم تكتمل؛ فمنذ السابع من كانون الأولديسمبر، انقطع كل أثر له.

محمد حمزة حمزة وابنه (النهار).
وائل يروي لحظة الغياب: “أخذوه مكبلاً”
الرواية الضبابية وفقاً لرواية شقيقه وائل بدأت من منزل الزوجة، فإن الغموض يلف مصير محمد منذ لحظة وصوله في تشرين الثانينوفمبر الماضي. يروي وائل بحرقة ما استطاعت العائلة الوصول إليه من معلومات شحيحة، يؤكد أن زوجة شقيقه الموجودة في العراق لم تتواصل مع عائلة زوجها في لبنان نهائياً منذ اختفائه، وهو الأمر الذي زاد من ريبة العائلة ومخاوفها.
وبعد محاولات حثيثة، تمكن وائل منذ أربعة أيام فقط من التواصل مع صهر زوجة محمد (زوج أختها)، لتصل الحقيقة المرة عبر صهرها الذي كان مع محمد لحظة الحادثة: “كنا واقفين معاً أمام الكاراج، وفجأة حضرت الأجهزة الأمنية الكردية، كبّلوه أمام عيني واقتادوه إلى جهة مجهولة”. وبحسب الرواية من الصهر، فإن الزوجة تم سحب هاتفها منها من الأجهزة الأمنية الكردية أيضاً، وهي تُمنع تماماً من رؤيته أو معرفة أي تفصيل عن مكان احتجازه أو التهمة الموجهة إليه.
ومنذ تلك اللحظة، دخل محمد في نفق “الاحتجاز من دون تواصل”.

أولاد محمد حمزة حمزة (النهار).
صرخة أمّ: “ابني ابن هذه الدولة”
في دارة آل حمزة، لا تكفي الدموع لتجسيد عمق الوجع، تجلس والدة محمد، يعلو وجهها الحزن، ويتهدّج صوتها بثقل الخيبة والحنين، لتقول: “ابني لم يذهب للسياحة ولا للترف، ذهب ليشمّ رائحة أولاده، ليطمئن على قلبه الذي تركه هناك. محمد ليس فقط ابني، بل هو إبن هذه الدولة، أفنى شبابه في خدمتها، وارتدى بزّتها بكل فخر. ما ذنبه؟ أنه اشتاق؟ أنه أب؟ نذرنا عمرنا لنُنشئه على حب الوطن وخدمته، فليكن الوطن اليوم أهلاً لردّ الجميل”.
وناشدت رئيس الجمهورية والوزراء المعنيين و”كل مسؤول لاتزال في قلبه ذرة إنسانية” أن “اعتبروا محمد من أبنائكم… أعيدوا إليّ قطعة من روحي، فإنني أموت في كل دقيقة يمرّ فيها الليل وهو مجهول المصير”.
أمام هذا الغموض، عقد رئيس بلدية الخضر محمد حسين عودة، مؤتمراً صحافياً في مبنى البلدية في حضور عائلة المفقود وفعاليات المنطقة، لتسليط الضوء على قضية المعاون أول الذي بات “مخطوفاً” خلف حدود البيروقراطية والصمت الدولي.
علي شقيق المفقود تساءل عن سبب الاحتجاز السافر لعسكري لبناني شرعي وقانوني، مؤكداً أن العائلة علمت بوجوده “على ذمة التحقيق” منذ 40 يوماً من دون توجيه أي تهمة، مطالباً الرؤساء الثلاثة وقائد الدرك بالتدخل الفوري لإعادة شقيقه إلى خدمته ووطنه.
ووجه عودة نداءً عاجلاً الى السفارة اللبنانية في بغداد ووزارة الداخلية، مشدداً على أن “كرامة العسكري من كرامة الدولة”، ومهيباً بالدولة اللبنانية ألا تقف متفرجة على مصير أحد أبنائها في الغربة.

صورة من الحضور خلال مؤتمر صحافي متعلق بقضية المفقود (النهار).
غياب المعلومات وتجاهل رسمي
تؤكد العائلة بمرارة أن أحداً من الدولة اللبنانية أو العراقية لم يتواصل معهم بشكل جدي حتى الساعة.
ورغم مراجعتهم قيادة الدرك، كان الجواب الوحيد: “راسلنا السلطات العراقية وننتظر الرد”. ردٌ لم يطمئن قلباً، ولم يعد أباً الى ولديه اللذين ينتظران خلف الغياب عودة أبيهما اليهما.
يبقى السؤال معلقاً على اعتاب بلدة الخضر: هل يتحرك الديبلوماسيون قبل أن يطوي النسيان قضية المعاون أول محمد حمزة؟
