يحدث أن يتحوّل الذكاء الاصطناعي من مجرّد أداة تقنية

    إلى وسيط ثقافي وإنساني، حيث تُوّج الفيلم القصير “ليلي” للمخرج التونسي زبير الجلاصي بلقب أفضل فيلم مولّد بالذكاء الاصطناعي في العالم، ضمن فعاليات قمة المليار متابع 2026 التي تحتضنها دولة الإمارات، ليحصد الجائزة الكبرى البالغة مليون دولار أمريكي، في واحدة من أكبر المسابقات العالمية المخصّصة للإبداع الرقمي.

    كشفت قمة المليار متابع، التي ينظمها المكتب الإعلامي لحكومة دولة الإمارات، عن الفيلم الفائز بالجائزة الكبرى ضمن أكبر جائزة عالمية للأفلام المولدة بالذكاء الاصطناعي، والتي تبلغ قيمتها مليون دولار أمريكي، وذلك بالشراكة مع” قوقل جيميني”.
    “ليلي” بطلة دمية … وحكاية إنسان
    إنّ تتويج فيلم “ليلي” لم يكن انتصارا للتقنية، بقدر ما كان تثمينا للمعنى داخلها، وللإبداع البشري الذي استطاع أن يمرّ من خلال الآلة دون أن يفقد دفئه وإنسانيته وبعده النفسي العميق …
    ما يميّز فيلم “ليلي” أنه لم ينطلق من فكرة كبرى مجرّدة، بل من تفصيل صغير جدا. فكانت البطلة “ليلي” هي دمية ابنة المخرج زبير الجلاصي التي استلهم منها فكرة الفيلم المتوج. لقد تحوّلت هذه الدمية التي تعيش بصمت في البيت، تراقب تفاصيل الحياة اليومية، وتشهد على الأحزان والأفراح إلى مرآة للإنسان المعاصر الذي يعيش محاصرا بالروتين، ومقيّدا بسجون نفسية غير مرئية.
    لا يظهر السجن في الفيلم كجدران وقضبان، بل يتخذ رمزية وجودية. فيصبح التحرّر ليس هروبا جسديا، بل مصالحة داخلية مع الذات. وهكذا تتجاوز التقنية دورها كوسيلة إنتاج، لتتحوّل إلى لغة للتأمّل في الإنسان، وفي هشاشته، وحاجته الدائمة إلى المعنى.
    من المنافسة مع 3500 فيلم إلى الجائزة الكبرى
    جاء تتويج «ليلي» بعد مسار تنافسي طويل، شارك فيه أكثر من 3500 فيلم من 16 دولة، قبل أن تختار لجان متخصّصة قائمة أولية من 100 عمل، ثم قائمة نهائية من 12 فيلما، خضعت جميعها لتقييم خبراء في صناعة الأفلام، والإبداع الرقمي، والذكاء الاصطناعي، من مؤسسات عالمية كبرى من بينها قوقل ويوتيوب..
    وكان معيار الاختيار الأساسي هو الجمع بين الجودة التقنية، والابتكار الفني، والبعد الإنساني في الطرح، في إطار موضوعين رئيسيين هما استشراف المستقبل، وكشف الحياة الخفية للأشياء والناس.
    على المستوى الفني، اختار المخرج التونسي زبير الجلاصي الابتعاد عن الواقعية المفرطة التي تفرضها أدوات الذكاء الاصطناعي، واتجه نحو أسلوب بصري أكثر شاعرية وتجريدا ليس لإبهار العين فقط، بل لخلق جو نفسي يخدم السرد.
    الإنسان هو سؤال كل فن
    إنّ فوز فيلم “ليلي” بالجائزة الكبرى لفئة الأفلام المُولَّدة بالذّكاء الاصطناعي أثبت أنّ الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للمعنى لا نقيضا له، وأنّ الإنسان مهما تعقّدت تقنياته يظل هو السؤال الأساسي لكل فن.
    وتأتي هذه الجائزة في سياق تغيرات سريعة تشهدها المنطقة العربية، حيث تتحوّل الثقافة الرقمية من هامش إلى مركز، ومن تجربة فردية إلى مشروع حضاري. وقمة المليار متابع ليست مجرد ملتقى للمؤثرين وصناع المحتوى، بل فضاء لإعادة التفكير في معنى الإبداع، وفي علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، وفي دور الفن في عالم سريع التحوّل.
    لقد منح المخرج التونسي زبير الجلاصي للآلة روحا، ومنح للروح صورة، وذكّرنا بأن المستقبل لا يُصنع فقط بالخوارزميات، بل بالحكايات التي نرويها عن أنفسنا.