
في القرون الماضية، حين كانت المجتمعات مُتناثرةً، تفصلُها فجواتُ المسافة واللغة ووسائلُ الاتصال البدائية، تشكّلت لدى الكتّاب أساليبُ فرديةٌ متميّزة. كان في وسع القارئ أن يميّز كتابات الجاحظ وابن المقفّع وطه حسين والمنفلوطي وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة، من دون حاجةٍ إلى أسماء مؤلّفيها. طبعت جملَ هؤلاء بصمات ذاتية صقلتها عواملٌ بيئية وروافدٌ ثقافية، وعزلةٌ نسبية أحاطت بعوالمهم الإبداعية. أمّا اليوم، فتآكلت هذه الخصوصية الأسلوبية، حتى إنّنا إذا مزجنا مقاطعَ من نتاجاتٍ أدبيةٍ معاصرةٍ متعددةٍ، عسُر علينا التمييز بينها لتشابهها. فكأنّما روافدَ الأساليب الإبداعية تلتقي اليوم في مجرى واحدٍ، يتدفّق نحو آفاقٍ جديدة، باتجاه صوتٍ أدبيٍّ أكثرَ تقارباً وتماسكاً، مردّداً في الأفق نغمةَ أسلوبٍ عالميٍّ موحّدٍ في الكتابة.
ضغوط السوق
تُعَدُّ ضغوطُ السوق إحدى الركائز الأساسية لهذه الظاهرة. فالحِراك النشريّ الحديث يميل بقوةٍ نحو استنساخ النماذج الناجحة تجارياً. ومتى ما ثبتت فعالية نبرةٍ سرديةٍ أو هيكلٍ روائيٍّ في جذب القُرّاء، يسارع الناشرون إلى حثّ الكتّاب الجدد ومُنظِّمي المسابقات الأدبية على اتباع أشكالٍ مماثلة، مما يُنتج في النهاية رواياتٍ متشابهةً من حيث الإيقاع السردي، وأنماط الحوار وتقنيات البناء. فهذه الروايات لا تولَدُ لتخلقَ إبداعاً، بل لتُلبيَ توقعاتٍ تجاريةٍ بحتة.
وقد لمستُ هذا الواقع عن قُربٍ عندما شاركتُ في أول مسابقة أدبية تُديرها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، «مسابقة ماي بوليتزر للكتابة»، في مارس/آذار 2025. اتَّضح لاحقا أن معايير التقييم اعتمدت على «القابلية التسويقية» و»السرعة السردية»، باستخدام أدوات قياسية من موقع «كوانتيفكايشون دوت كوم»، مما لم يَترك هامشاً يُذكر للتأمُّل البطيء، أو العمق العاطفي، أو نضوج الشخصيات. وكان من الطبيعي أن تفوزَ روايةُ خيالٍ علميٍّ سريعةُ الأحداث، بينما يبقى عملٌ تأمُّليٌّ فلسفيٌّ كروايتي الأولى باللغة الإنكليزية ـ وهي مزيجٌ من السيرة الذاتية والتخيُّل ـ خارج المنافسة، بل إن نصوصاً أدبية رفيعة، كتلك التي يصوغها جون فوسي بإيقاعاته المُكرَّرة، أو لازلو كراسناهوركاي (الفائز بنوبل 2025) بجُمله الطويلة المُعقَّدة، لم تكن لتحظى بأي فرصة للفوز في ظل هذه المعايير التجارية. وهكذا يصبح التوجُّه نحو السوق عاملاً حاسماً في صناعة أسلوبٍ موحَّد في الكتابة.
برامج الكتابة الإبداعية
في عصرٍ تحوَّلت فيه الكتابة الإبداعية إلى صناعة قائمة بذاتها، انتشرت ورشُ التدريب الأدبي على نطاق واسع، معتمدةً على لغة واضحة، وإيقاع سردي سلس، وحوار مباشر، وشخصيات محكمة البناء. وقد امتدت هذه الظاهرة لتشمل مجالات متعددة، من حقل الكتابة العلمية، إلى الدورات الأدبية المتخصصة. فجامعة أكسفورد، على سبيل المثال، تعرض دورة «كتابة الرواية» عبر الإنترنت، تجمع بين التمارين الموجّهة والنقاشات الجماعية على مدى عشرة أسابيع. من جهتها، تقدم جامعة كامبريدج برامج مرنة، تتراوح بين دورات قصيرة عبر الإنترنت، وورش عمل مكثفة، وشهادات قابلة للتخصيص. ولا يقتصر هذا التوجّه على البلدان الغربية. ففي العالم العربي، يقدّم «برنامج قلم للكتابة الإبداعية» في أبوظبي، ورشاً تغطي أصنافاً أدبية متعددة، من الرواية والشعر إلى أدب الأطفال، مدعومةً بمختبرات إبداعية يشرف عليها مختصّون.
ورغم ما توفره هذه الورش من صقل للمهارات الفنية، فإنها تنطوي على مفارقة جليّة: فبينما ترفع برامج تعليم الكتابة شعار تمكين الكتّاب من تنمية أصواتهم المميّزة، فإنها في الواقع تحدث نتائج معاكسة. فبعد عقود من النشاط والموارد الضخمة، لم تُنتج هذه المنظومة صوتاً أدبياً استثنائياً ترك بصمة واضحة في المشهد الأدبي العالمي. فالأعمال المنتجة متشابهة لا يمكن تمييزُها عن بعضها. وهكذا فإنّ وعود ورش الكتابة بصقل مواهب مميزة مجرد وهم، يخفي خلفه عملية صياغة جماعية تكرر أعمالاً سابقة، وتنتج أعمالاً متشابهة، لكنّها تسهم في تشكيل لغة أدبية عالمية موحَّدة.
تأثير العولمة
تلعب العولمة دوراً حاسماً في صوغ أسلوب أدبي عالمي متقارب، إذ يطّلع الكتّاب اليوم على نصوص من ثقافات متعددة، وتنتقل التأثيرات الأدبية بسلاسة عبر الحدود. فعلى سبيل المثال، قد يتأثر روائي في القاهرة، برواية بريطانية معاصرة بقدر تأثره بتراثه المصري. وتسهم المهرجانات العالمية واللقاءات الإلكترونية والتواصل عبر السوشيال ميديا في التأثير المتبادل، ما يؤدي حتماً إلى تقارب في الرؤى والأساليب الإبداعية. وقد أبرزت الدراسات الأكاديمية أن العولمة أحدثت تحولاً جوهرياً لا يقتصر على المعنى، الثيمات، فحسب، من خلال إدراج مفاهيم كالهجرة والصراع الثقافي، بل يشمل أيضاً البنية، من خلال تطوير تقنيات سردية جديدة تعكس واقع العالم المعولم. وهكذا بات الأدب المعاصر يضم أصواتاً متعددة من خلفيات ثقافية مختلفة، معبّراً عن هويات هجينة، حيث يدمج الكتّاب بصورة طبيعية بين عناصر التراث المحلي وصيغ التعبير العالمية، وهو ما تجسده بامتياز الأقلام التي تنتقل إلى الكتابة باللغة العالمية.
ضغط التحرير الأدبي
غالباً ما يسعى التحرير المعاصر إلى إزالة التراكيب غير المألوفة، واختصار المخطوطات، واعتماد أنماط سردية حديثة لجعل الأعمال أكثر قابلية للقراءة. فجائزة «ماي بوليتزر»، على سبيل المثال، تشترط ألا يتجاوز العمل 80.000 كلمة، وهو شرط يعترف المنظمون بأنه يستجيب لشروط الناشر الشريك، ما يؤدي إلى توحيد الأعمال الفائزة، حتى قبل خضوعها للتحرير الأدبي. مثل هذا القيد يستبعد روايتي ( +115 ألف كلمة)، وكان سيستبعد أعمالاً ناجحة كرواية زادي سميث (169.389 كلمة) أو رواية «أطفال منتصف الليل» لسلمان رشدي (208.773 كلمة).
وفي مقال بعنوان «محرري جعل كتابي أسوأ!»، يكشف ستيف لوبي الضغوط التي يتعرض لها المؤلفون، لإعادة صياغة أعمالهم جذرياً، أو اختصارها لتكون «قابلة للبيع». ويشير لوبي إلى حالة كاتب خضعت مخطوطته لاختصار جذري بناءً على نصيحة محرر؛ فرغم رواج النسخة المنقحة، فقد فقدت كثيراً من بنيتها ونبرتها الأصليتين. والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي، حين يؤدي وظيفة تحريرية مشابهة، يواجه رفضاً واسعاً في الأوساط الأدبية. يُطلب من الكتّاب الإفصاح عن استخدامه، ويعاملون معاملة المذنبين، بينما يتمتع المحررون البشر بحرية اختصار المخطوطات، وإعادة تشكيلها جذرياً والتصرف في مضمونها وبنيتها دون الخضوع لمحاسبة مماثلة. وهكذا فإنَّ ممارسات التحرير الحديثة، وضغوط السوق تساهم في توحيد الأساليب الأدبية، وتمهّد تدريجياً لنشأة أسلوب عالمي مشترك في الكتابة.
دور الذكاء الاصطناعي
يُعدّ الذكاء الاصطناعي من أبرز العوامل المساعدة على تطوير أسلوب كتابة عالمي مشترك. ولا تعمل هذه التقنيات بالضرورة على محو النبرات الفردية أو الخصوصيات الثقافية، بل تسهم في تهذيب الأساليب الشخصية وإعادة صياغتها ضمن قوالب أكثر سلاسة ووضوحاً وسهولة للقراءة. فمن خلال اطّلاعه الواسع على تقاليد الكتابة عبر لغات وثقافات متعددة، يساعد الذكاء الاصطناعي على إنتاج صياغات متزنة، تنسجم وذائقة القارئ العالمي، بعيدا عن الأطر المحلية أو الحدود الوطنية الضيقة. ويُسرّع الذكاء الاصطناعي من وتيرة هذا التقارب الأسلوبي، إذ يعتمد عليه كثير من الكتّاب لتنقية العبارة، أو لتجاوز لحظات التعثر الإبداعي. وبما أنه يتغذّى على نماذج الأدب العالمي الأكثر تداولاً، فإنه يميل إلى اقتراح جمل مألوفة وسلسة، تعزّز الوضوح والانسياب، وتدعم توجّه البشرية نحو أسلوب كتابي عالمي مشترك، يقوم على التواصل العابر للثقافات.
ومع ذلك، الذكاء الاصطناعي لا يقمع الإبداع الفردي، ولا يحل محل المخيلة الإنسانية، بل يؤسس لإطار لغوي مشترك يسهّل التواصل ويعزّز التقارب بين البشر على اختلاف خلفياتهم، ويذلّل العوائق الأسلوبية التي طالما أعاقت الانتشار العالمي للنصوص مثلما شاهدنا في سياق حديثنا عن الأديب المجري الفائز بجائزة نوبل للآداب لعام 2025. ومع اتساع استخدام هذه الأدوات، قد نشهد صعود نموذج أدبي جديد، يتنافس فيه الكتّاب على بُعد الرؤية، وسعة الخيال، وعمق الأفكار، وبراعة بناء الشخصيات، بينما يغدو الأسلوب أداة شفافة لنقل المعنى، لا غاية قائمة بذاتها.
الترجمة
وتُضاف إلى هذه العوامل كلّها الترجمة، بوصفها ممارسة قديمة تُعيد صياغة النص الوطني بلغة المترجم ورؤيته وأسلوبه، ليغدو أكثر ملاءمة للقارئ العالمي. وقد نالت المؤلفات المترجمة، جوائز دولية منذ أكثر من قرن، لا لبلاغتها وجمالياتها – التي غالبا ما تتراجع أثناء الترجمة – وإنما لما تحمله من أفكار ومعانٍ إنسانية وقيم كونية قادرة على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية. وهذا ما يؤكّد أسبقية المعنى على المبنى، والفكرة على اللغة، ويدعم منطقية توجّه العالم اليوم نحو أسلوب كتابي مشترك، يكون فيه الأسلوب مجرد وسيلة – أداة شفافة لنقل الفكرة، لا غاية تُغلق النص داخل خصوصيته الأسلوبية.
ميلاد الأسلوب العالمي في الكتابة
وهكذا لم يعد ثمة شك في أن قوى العولمة المتسارعة، من ضغوط السوق، وورش الكتابة، وتأثير التحرير الحديث، وأدوات الذكاء الاصطناعي، والترجمة تدفع البشرية باتجاه تقارب أسلوبي عابر للقارات غير مسبوق. لقد بدأت الخصوصيات اللغوية التي كانت تُميّز الأفراد والأمم في التلاشي، لتحلّ محلها لغة أدبية مشتركة تتّسم بالقصر والوضوح والسرعة، والتركيز على «جوهر الفكرة» بدل «زخرف الأسلوب». ولم يعد هذا التقارب مجرد ظاهرة ثقافية، بل «ضرورة عملية» يفرضها واقعنا وحاجتنا إلى الكتابة خارج حدودنا الجغرافية، واختراق الحواجز اللغوية، ومدّ الجسور الثقافية في مختلف أنحاء الكرة الأرضية. وللأسلوب العالمي أكثر من مبرّر. فالأعمال الأدبية العظيمة المترجمة، بما في ذلك التي حصدت أرفع الجوائز لعقود، كأعمال لازلو كراسناهوركاي ذات الجمل الطويلة والمعقّدة، تُجزّأ جملُها وفقراتها، وتُعاد صياغتُها، ويضيع إيقاعُها وجمالياتُها، ويتغيّر منها ما يتغيّر لتتلاءم وقواعد اللغة الجديدة، وتنتج عنها أعمال مختلفة، وهو ما اعترف به المؤلف نفسه وكثيرون قبله. يدعونا ذلك حتما إلى الدعوة إلى إعادة النظر في مفهوم الأدب العالمي. فالأدب العالمي الحقيقي ليس أدبًا مغلقًا في أطر جغرافية ضيقة أو مكتوبًا بأساليب وطنية معقّدة تتعدّى فهم القارئ العالمي. الأدب العالمي أدبٌ مصاغٌ بأسلوب مشترك واضح، يفهمه القرّاء في كل أنحاء العالم وما غير ذاك أدب محلي ووطني.
كاتب جزائري
