عندما يتحول المرض من أزمة صحية تستدعي الشفقة إلى اختبار أخلاقي واجتماعي كاشف عن عمق الحب وحقيقة النفوس وقيمة التضحية، يصبح الحدث أبعد من كونه معاناة جسدية، ويتحول إلى محنة مصيرية لا تحتمل العبث أو التلاعب، فالمواقف في هذه اللحظات الفاصلة لا تستبدل ولا ترد.
كثيراً ما قدمت الدراما عبر وسائطها المختلفة قصصاً إنسانية مبنية على أزمات صحية أو حياتية مؤثرة، لكنها نادراً ما نجحت في الغوص عميقاً داخل النفس البشرية من دون ضجيج لاستخراج أفضل وأسوأ ما فيها، فهزات الحياة القاسية تضع الإنسان أمام مقصلة الاختيار، إما أن يأسر سلامة مرتعبة ليحتفظ بحياته، أو يتحلى بنبل قد يقوده إلى نهاية محتملة.
وفي مسلسل “لا ترد ولا تستبدل”، نجحت المخرجة مريم أبو عوف في تقديم هذا الصراع الإنساني المركب عبر قصة واقعية تمس عشرات الآلاف يومياً حول العالم، وهي الصدمة المفاجئة من التعرض لمرض خطر، وما يترتب عليها من معاناة نفسية واجتماعية لا تطاول المريض وحده، بل تمتد إلى كل من يحيط به، قريباً كان أو غريباً، لتتقاطع المصائر في لحظات عاصفة وحاسمة.
تجارة الأعضاء ومعاناة المرضى
تبدأ الأحداث باكتشاف ريم، الزوجة الشابة التي تعمل مرشدة سياحية، إصابتها بفشل كلوي، مما يقلب حياتها رأساً على عقب، ويجبرها على التعايش مع واقع قاسٍ من الانتظار والأمل والإحباط والانكسار.
تبدو حياة ريم الزوجية في ظاهرها مستقرة ومثالية، لكنها في العمق تعاني سطحية وفتور “نادر”، وهو زوج يبدو كفارس أحلام، بينما هو في الحقيقة مجرد صورة جذابة من الخارج ومرتبكة على كل الأصعدة من الداخل، وسرعان ما تتهاوى علاقة الزوجة بزوجها عندما تبدأ معاناتها الحقيقية، وتحتاج إلى حسم لا يحتمل التردد، فيمتنع نادر عن التبرع، بل يتجنب حتى طرح الفكرة، مفضلاً الاكتفاء بالمساندة المادية، باعتبارها أقصى ما يمكن تقديمه.

عاشت ريم واقعاً قاسياً بين الانتظار والأمل والإحباط والانكسار (مواقع التواصل)
وفي التوقيت الذي تكتشف فيه ريم حقيقة مرضها وحاجتها الماسة إلى متبرع، تتعرف إلى “طه” الذي يؤدي دوره أحمد السعدني، وهو رجل بسيط ينتمي إلى منطقة شعبية ويعمل سائقاً، ويتعاطف طه مع ريم، ويقف إلى جوارها إنسانياً، لكنه من دون أن يدري يقع في حبها على رغم إدراكه استحالة تطور هذا الشعور، في ظل الفوارق الطبقية والثقافية والاجتماعية التي تفصل بينهما.
تتوالى الأحداث وتمتد رحلة البحث عن حل جذري لتلامس واحدة من أخطر القضايا، وهي زراعة الأعضاء ومافيا الاتجار بها، وأساليب الاستغلال والضغط على الفقراء للتبرع مقابل المال، ويتصاعد السرد كاشفاً عن تفاصيل موجعة عن رحلة مرضى الغسيل الكلوي، من دون الوقوع في فخ الاستعراض الطبي أو الشرح العلمي الجاف، ليظل التركيز منصباً على الإنسان وعلى كيفية تلقيه الصدمة وتعاطيه مع فاجعة المرض.
طبقات مهمشة وفئات خاصة
لم يحصر العمل نفسه في طبقة اجتماعية بعينها، بل منح مساحة واسعة وعادلة للتوغل في الطبقات المختلفة، من بينها طبقة المهمشين التي جعلها السيناريو جزءاً أساساً من الأحداث المفصلية، وكانت شخصية طه هي بوابة العبور إلى هذا العالم، فتداخلت تفاصيل حياته اليومية مع أصدقائه وعائلته وكل المحيطين به مع المسار الرئيس للأحداث.
وتطرق المسلسل إلى مشكلات عميقة يعانيها المهمشون، أبرزها الفقر والرغبة في الهجرة والتفكك الأسري والهجر القسري بسبب العوز، ونجح العمل في استثمار الفوارق الطبقية لصنع أحداث درامية مؤثرة، عبرت عن الحب والأمل والتضحية.
وعرض كذلك مشكلات ملحة تخص طبقات عريضة من محدودي الدخل مثل مشكلة “الغارمات” واضطرار الأسر الفقيرة إلى الاستدانة من أجل إتمام زواج بناتهم وتعرضهم للسجن، بسبب العجز عن التزام السداد.

أحمد صلاح السعدني ودينا الشربيني في كواليس “لا ترد ولا تستبدل” (مواقع التواصل)
ونجح المسلسل أيضاً في الكشف عن التناقضات الخاصة بالطبقات التي تناولها وصراعاتها الداخلية بصورة عميقة من دون وضع المشاهد في حال حكم على تصرفات ومشاعر الآخرين حتى إن كانت عكس التيار.
تحترف المخرجة مريم أبو عوف في كل أعمالها الزج بقضايا حساسة بصورة غير مباشرة ينجح في إثارة التعاطف مع بعض الحالات من دون الشعور بأن هناك توجهاً فرض على المشاهد، وتهتم على نحو كبير بقضايا الفئات الخاصة على وجه التحديد، لذلك طرحتها في كل أعمالها السابقة، وفي “لا ترد ولا تستبدل” لم يغفل العمل طرح قضية من هذه الشاكلة، فتناول المسلسل شخصية الطفلة مكة، وهي طفلة تعاني ضعف السمع، ولم تطرح الشخصية كحالة عابرة أو زينة درامية، بل كمدخل إنساني لفتح ملف معاناة ذوي الإعاقة السمعية، بخاصة حين يولدون في أسر فقيرة، وما يواجهه ذووهم من ضغوط مادية ونفسية، إضافة إلى نظرة المجتمع إلى المختلف وكيفية التعامل معه.
جدل التبرع وحدود التضحية
أثار مسلسل “لا ترد ولا تستبدل” كثيراً من الأسئلة الحساسة، وفتح بعض الملفات الحرجة والمسكوت عنها، ومن بينها إشكالية تبرع الأزواج والأقارب بالأعضاء، وما تحمله من جدل واختلاف، بين من يرى أن التضحية واجب أخلاقي لا يحتمل التراجع، ومن يرفض تعريض النفس للخطر، مكتفياً بالدعم المادي والمعنوي فقط، وظل الجدل غير محسوم حتى نهاية الحلقة الأخيرة، ليعكس تعقيد الواقع وتشابك القيم الإنسانية.
وعد بعضهم المسلسل من أهم الأعمال الفنية التي عرضت خلال العام الأخير، نظراً إلى استحواذه على اهتمام الجمهور مع مناقشة قضايا إنسانية وواقعية مؤلمة، وربما كان أبرز عوامل تميز الطرح أنه اعتمد في جوهره على عدم تقديم المرض كأداة ميلودرامية فجة، بل كحال استنزاف يومية، نفسية وجسدية، تعيد تشكيل ملامح الشخصيات، وتقلب مسارات حياتها رأساً على عقب.
وخدم التناول تقديم تفاصيل دقيقة لكل شخصية وإيجاد مبررات نفسية ودرامية للتعاطف مع الجميع، من دون تقسيم حاد بين ظالم ومظلوم، فالجميع هنا بشر، تحكمهم هشاشتهم الإنسانية، وتعقيدات مبررة ومتناقضة من الرغبات والخوف.

قدم صدقي صخر شخصية رمادية مثيرة للجدل (مواقع التواصل)
وساعدت خبرة المخرجة مريم أبو عوف في تناول القضايا الإنسانية في معظم أعمالها السابقة مثل “وش وضهر” و”إلا أنا” في صياغة التجربة الإنسانية أو المرضية التي عانتها البطلة كمحرك أساس للسرد، تدعمه عوالم متقاطعة تتصارع وتتداخل في نسيج درامي نابض بالحياة.
وحققت تنوعاً بصرياً لافتاً عن طريق الصورة، متنقلة بسلاسة بين العوالم المختلفة والشوارع والأديرة والمناطق السياحية والمستشفيات، مع تفوق خاص في تصوير الأحياء الفقيرة بتفاصيل واقعية صادقة مثل البيوت والملابس والتعاملات الحياتية الدقيقة.
لم يكُن السيناريو المميز الذي كتبته دينا نجم وسمر عبدالناصر ليجسد بنجاح من دون وجود ممثلين على قدر كبير من التميز والحساسية في نقل المشاعر الإنسانية والتحولات والألم، واكتملت الأركان بوجود فريق تمثيل شديد الحرفية مثل دينا الشربيني وأحمد السعدني وصدقي صخر وحسن مالك وفدوى عابد وحنان سليمان ويارا جبران وسارة خليل. واعتمد معظم الممثلين على الانفعالات الداخلية والنبرة الهادئة والتعبير المحكم.
وقدمت دينا الشربيني أداءً متزناً في دور ريم، كسبت به تعاطف المشاهد من دون استدرار أو انفعال خارجي تقليدي، معتمدة على صدق الانهيار الداخلي. بينما شكل دور طه الذي جسده أحمد السعدني، واحدة من أهم محطاته التمثيلية، إذ قدم أداءً مركباً بعيداً من الكليشيهات الشعبية، معبراً عن شهامة ومسؤولية وعزة نفس حقيقية.
شخصيات فرعية لكن مؤثرة
ولم تكُن الشخصيات الرئيسة وحدها في دائرة الضوء، بل جاءت الشخصيات الأخرى فاعلة ومؤثرة في مسار الأحداث مثل شخصية “مواهب” التي قامت بها فدوى عابد، وهي امرأة في منتصف العمر تبحث عن حب صادق مع شاب في عمر ابنها وتحبه بإخلاص على رغم الفارق العمري، وشخصية “نادر” زوج ريم التي قدمها الممثل صدقي صخر، وكانت تحدياً كبيراً لأنه عبر عن نموذج للشخصية الرمادية المثيرة للجدل التي لا يمكن كراهيتها بوضوح ولا حبها أيضاً بارتياح.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونجح الممثل الشاب حسن مالك في تقديم دور محمود شقيق طه، الشاب الذي يقع في مأساة الإدمان الناتجة من الفقر والضياع.
انتهت حكاية مسلسل “لا ترد ولا تستبدل” لكن لم ينتهِ الحديث عن الملفات والقضايا التي ناقشها ووضعها أمام المجتمع وضمير الناس، وأبرز ما دعم استمرار تأثيره هو أنه أحيا كثيراً من الآمال عند ضحايا الأمراض والمنتظرين للمتبرعين، ووضع حلولاً متوارية لبعض أزمات التبرع بالأعضاء مثل التبرع من المتوفين لإنقاذ حياة المحتاجين، وهذا أمر معمول به في بعض البلدان الأجنبية، لكنه مثار جدل وهجوم في الدول العربية والإسلامية.
ومن الناحية الفنية لا يزال التأثر بأحاسيس المسلسل قائماً بين الناس لنجاح صناعه في الإفلات من فخ التكرار، معتمدين على سرد تراكمي بطيء ومحسوب، تبنى فيه الصراعات عبر التفاصيل اليومية واللحظات الصامتة وما يقال وما يخفى، فوجد المشاهد نفسه متورطاً وجدانياً ويضع نفسه مكان كل الشخصيات وأزماتها.
كمنت قوة “لا ترد ولا تستبدل” في أنها دراما لا تفرض أحكاماً، بل تضع الإنسان أمام مرآة ذاته، في أكثر لحظاته ضعفاً وصدقاً.
