شهد حفل “جولدن جلوب” الأخير إضافة لافتة تعكس تحوّلاً أوسع في صناعة المحتوى؛ فإلى جانب الجوائز التقليدية للأفلام والمسلسلات والممثلين، استحدث الاحتفال الصاخب بعالم السينما والتلفزيون فئة جديدة لأفضل بودكاست.

تشير الخطوة بوضوح إلى أن البودكاست، الذي بدأ كوسيط صوتي بحت، أصبح يقترب أكثر فأكثر من عالم التلفزيون.

المستمعون، أو بالأحرى المشاهدون، كانوا القوة الدافعة وراء هذا التحول. فخلال العامين الماضيين، لم تعد منصات مثل “سبوتيفاي” أو “أبل” الوجهة الأولى للبودكاست في الولايات المتحدة، وتصدّر “يوتيوب” المشهد.

البودكاست التلفزيوني في المقدمة

بحسب شركتي الأبحاث “كولمان إنسايتس” و”أمبليفي ميديا”، فإن 3 من كل 10 أمريكيين يستمعون إلى البودكاست أساساً عبر الفيديو.

تؤكد “يوتيوب” بدورها أن مشاهدة البودكاست عبر شاشات التلفزيون تضاعفت تقريبا خلال عام واحد حتى أكتوبر الماضي.

استجابة لذلك، بدأ صناع البودكاست بتشغيل الكاميرات، إذ يشير موقع “ساوندز بروفيتابل” المتخصص في رصد صناعة البودكاست إلى أن نحو 71% من منتجي البودكاست الأمريكيين يصوّرون مقاطع فيديو إلى جانب التسجيلات الصوتية.

حتى مع أبسط مقاطع الفيديو، يمكن نشر البودكاست على يوتيوب والوصول إلى ما يقارب 3 مليارات مستخدم.

تضاف إلى هذا إمكانية اقتطاع لقطات قصيرة ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي.

الوصول إلى الجماهير أمر والحفاظ عليهم آخر

في السابق، كان اكتساب جمهور جديد يعتمد على التوصية الشفهية، لكن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم الوسيلة الرئيسية لاكتشاف البرامج الجديدة، وفقا لمجلة “ذي إيكونومست”.

 يشير بعض منتجي البودكاست إلى أنهم يجدون على يوتيوب عددا كبيرا من المشاهدين، لكن مستوى التفاعل، أي الوقت الذي يقضونه على المنصة، أقل مما توقعوا.

جيمس كريدلاند من بودنيوز يقول: “يوتيوب هو بلا شك الأول من حيث الوصول، لكن مصدر الربح الحقيقي من البودكاست هو الوقت الإجمالي الذي يقضيه المستمعون على المنصة”.

مستمعو البودكاست الذين يعتمدون بشكل أساسي على “سبوتيفاي”، التي أضافت مقاطع الفيديو منذ 2020، يستمعون لمدة 48 دقيقة إضافية أسبوعيا مقارنة بمستمعي “يوتيوب”، وفقا لما أظهرته دراسة أجرتها شركة “إديسون” للأبحاث.

أليستر فيرانس من “سبوتيفاي” يقول إن المنصة “تعمل على التحسين لتعزيز ولاء المستخدمين وتفاعلهم على المدى الطويل، وليس لتحقيق مشاهدات عابرة أو انتشار واسع النطاق”.

اتجاه لاستحواذات .. ولكن

مع اندفاع صنّاع البودكاست نحو الفيديو، تسارع شركات التلفزيون للاستحواذ عليهم. 

فمع تقليص ميزانيات هوليوود، وتركيز منصات البث على المحتوى طويل التفاعل، باتت حلقات البودكاست الطويلة والمنخفضة التكلفة خيارا جذابا.

من المقرر أن تبدأ “نتفليكس” عرض برامج بودكاست في الولايات المتحدة.

في المقابل، يشتكي بعض عشاق الصوتيات من تراجع جودة التجربة، سواء بسبب ضعف التحرير أو استخدام معدات صوتية أقل احترافية.

كذلك، يخشى آخرون أن تشكل تكاليف الكاميرات والإضاءة عائقاً أمام صناع محتوى جدد، رغم لجوء “يوتيوب” إلى أدوات ذكاء اصطناعي لتسهيل إنتاج الفيديو.

كل ذلك يطرح سؤالا جوهريا: ما هو البودكاست اليوم؟ فمع تداخل الحدود بين الفيديو، والبرامج الحوارية، والبودكاست، والمحتوى الرقمي، باتت هذه الوسائط تتنافس على الجمهور ذاته.

لم تعد المنافسة تقتصر على منصات البث أو جوائز مثل جولدن جلوب، بل أصبحت معركة أوسع على انتباه المشاهد في عصر تذوب فيه الفواصل بين الصوت والصورة.