تمكن فيلم “الخادمة” (The Housemaid)، للمخرج بول فيغ، من التميز بين الكم الهائل من الأفلام التي عُرضت في موسم إجازات نهاية عام 2025، ليحقق إقبالًا جماهيريًا لافتًا، ويصبح أحد أكثر الأعمال السينمائية التي حظيت بتغطية واسعة في الصحافة الأميركية، سواء من حيث نجاحه التجاري، أو ما يتصل بمحتواه كمعالجة للفوارق الطبقية وصراعات الأدوار بين الرجل والمرأة في العائلة الأميركية.

يُقتبس فيلم “الخادمة” من رواية فريدا مكفادين الأكثر مبيعًا لعام 2022، والتي تحمل الاسم ذاته. وقد كتب السيناريو ريبيكا سوننشاين، وهو من بطولة سيدني سويني وأماندا سيفريد.

بدأ عرض الفيلم في دور السينما الأميركية بتاريخ 19 ديسمبر/ كانون الأول 2025، وقد أفضى نجاحه إلى الإعلان عن إنتاج جزء ثانٍ منه.

تتمحور أحداث الفيلم حول شخصية ميلي كالواين، التي تجسدها الممثلة سيدني سويني، وهي شابة تعاني من سوء الطالع وماضٍ مضطرب.

تسعى ميلي لإعادة بناء حياتها والالتزام بشروط إفراجها المشروط، فتجد وظيفة كمدبرة منزل مقيمة لدى زوجين ثريين يقيمان في ضواحي لونغ آيلاند، وهما نينا (تجسدها الممثلة أماندا سيفريد) وأندرو وينشستر (يؤدي دوره الممثل براندون سكلينار).

تستقر ميلي في قصرهما الفخم، وتأسَر بجمال المكان، متخيلةً أن هذه هي البداية التي طالما سعت إليها. لكنها سرعان ما تجد نفسها متورطة في شبكة معقدة من الأسرار والألاعيب النفسية والمخاطر المتزايدة، حيث ينكشف لها بريق الثراء الظاهر ليخفي وراءه حقائق مظلمة.

كوميديا عائلية في غلاف مخيف

أحاط المخرج بول فيج شخصياته بأجواء مظلمة ومفعمة بالأسرار والمخاوف، في إشارة مبكرة منذ مطلع الفيلم إلى استحضار تراث الأفلام “القوطية”.

هذا النوع السينمائي يتميز بأجوائه المظلمة والغامضة، ويستلهم من الأدب القوطي، ويركز على العزلة، والأسرار العائلية، والخوارق، والشخصيات المضطربة، مستخدمًا إضاءة خافتة وظلالًا عميقة.

وتتجلّى هذه السمات في أعمال مثل “الآخرون” 2001 (The Others) و”دراكولا” 1992 (Dracula) و”فرانكشتاين” 1994 (Frankenstein)، وغيرها. وفي خضم هذه الأجواء، يمزج المخرج بول فيج بين الكوميديا السوداء والرعب في سرد يتأرجح بين مشاهد أيقونية آسرة وأخرى أقل تأثيرًا.

فيلم "الخادمة" 2025 ( The Housemaid)مايكل موروني في لقطة من فيلم “الخادمة” (مواقع التواصل الاجتماعي)

بدا الفيلم بمثابة تعليق ختامي على عام “كبيس” شهد جدلًا اجتماعيًا حادًا بشأن التفاوت الطبقي. لكن هذا التعليق جاء في صورة نقد لاذع للأعراف الاجتماعية التي ترى أن مظاهر الاستقرار المتمثلة في بيت وأسرة وثراء مادي هي التعبير الأهم عن الاستقرار والأمان.

ويكشف العمل عن أن هذه المظاهر غالبًا ما تخفي وراءها الكثير من الخلل النفسي والمجتمعي. ويجمع العمل ببراعة بين التشويق والأناقة البصرية، وبين الاشتباك النقدي مع البنية المستقرة للمجتمع، متأرجحًا بين السخرية اللاذعة والمبالغة في التخويف.

يكشف المخرج عن كارثية التمييز الاجتماعي من خلال مشهد افتتاحي صادم للبطلة وللمشاهد على حد سواء. ففرح الشابة التي كانت تعتقد أنها وجدت بداية جديدة لحياة أكثر أمانًا سرعان ما ينقلب إلى حزن وخوف وعدم يقين.

وعندما تبحث “ميلي” عن غرفتها، تكتشف أنها ليست جزءًا من المنزل الفاخر، بل مجرد غرفة ضيقة في الطابق العلوي، تفتقر إلى النوافذ الحقيقية، وتحتوي على سرير معدني ومروحة صاخبة.

ويتعمد صناع العمل تقديم هذا المشهد دون مؤثرات صوتية أو موسيقى، ليعبروا عن الصدمة بشكل مباشر، ولتتجلّى المفارقة نقية وواضحة: بيت يبدو مثاليًا من الخارج، بينما مكان إقامة الخادمة لا يعدو كونه زنزانة مؤقتة.

وهكذا، تتسلل المفارقة المضحكة المبكية إلى التفاصيل اليومية، متجسدةً في إحساس متراكم بانعدام الأمان داخل مكان يبدو في ظاهره مثاليًا.

ويتجلّى ذلك بوضوح في مشاهد التقلب السلوكي الحاد لسيدة المنزل، إذ تنتقل الشخصية من الود إلى القسوة بلا منطق واضح، مما يحول العلاقة إلى لعبة نفسية مفتوحة على الارتباك الدائم.

هذا التذبذب، الذي يتكرر في مواقف عادية كتحضير الطعام أو ترتيب المنزل، يخلق نوعًا من الكوميديا السوداء القاتمة، حيث تُطالب الضحية بالامتثال لقواعد غير معلنة، بينما يُقدّم هذا العنف النفسي بواجهة من الابتسامات واللياقة الاجتماعية الزائفة.

ويتعاظم الإحساس بالسخرية في مشاهد العشاء والضيوف، حين تُستعرض القيم العائلية والاستقرار الطبقي، بينما تُمارَس الإهانة الصامتة والإقصاء داخل الكادر نفسه، عبر لغة الجسد والنظرات ودون الحاجة إلى حوار.

ويوظف فيج فكرة المراقبة داخل المنزل من خلف الأبواب المغلقة، والأصوات غير المرئية، والإحساس الدائم بوجود من يراقب، ليُظهر ببلاغة بصرية كيف يتحول “البيت” – برمزية الأمان التي يحملها – إلى مساحة للشك والضعف.

فانعدام الأمان في الفيلم لا ينبع من خطر فجائي، بل من تطبيع الإذلال والغموض، وحين يصبح الإخضاع جزءًا من الروتين اليومي، وتتحول السخرية إلى بنية نفسية تكشف هشاشة العلاقات والسلطة داخل البيت الأميركي المعاصر.

أناقة اللقطة وحكمة المونتاج

يُعد المخرج بول فيج (Paul Feig) من صناع السينما القلائل الذين يميلون إلى الميلودراما، ولكنه في فيلم “الخادمة” يمزجها بالتشويق والمبالغات وأحيانًا السخرية.

ورغم أن هذا الاختيار يتماشى مع تقاليد أفلام النصف الأول من القرن العشرين ذات الطابع الحزين، فإنه يفرض على المشاهد حالة من التوتر الوجداني، إذ يتأرجح بين الضحك والبكاء. ولعل ما يقدمه فيج هنا يمثل نوعًا من “الكرم الأسلوبي” الذي يتجاوز الحاجة.

فيلم "الخادمة" 2025 ( The Housemaid)أماندا سيفريد في فيلم “الخادمة” (مواقع التواصل الاجتماعي)

وقد نجحت الممثلة سيدني سويني (Sydney Sweeney) في التخفيف من حدة الحضور الإخراجي الطاغي، وذلك بإضفاء عمق على الشخصية وتحقيق توازن دقيق بين لحظات الضعف والظهور المتعمد بمظهر الضعيفة.

أما الممثلة أماندا سيفريد (Amanda Seyfried)، فقد قدمت أداءً حيويًا لشخصية نينا، ما جعلها تجسد مشاعر القلق ببراعة في معظم اللحظات الحرجة بالعمل.

يعتمد التصوير السينمائي في الفيلم على تباين بصري محكم يعكس التوتر النفسي للبطلة. ويهيمن التأطير النظيف والمتناسق والإضاءة الخافتة على المساحات العامة في المنزل، مما يعزز صورة النظام والرفاهية في الضواحي.

ومع تصاعد قتامة الأحداث، تبدأ الظلال بالتسلل إلى الإطار، وتلجأ الكاميرا إلى تكوينات أكثر ضيقًا تحد من حرية الحركة، لتنقل ببراعة شعورًا بالاختناق.

ويعتمد المونتاج إيقاعًا مدروسًا عوضًا عن القطع السريع، ما يتيح تراكم الشعور بالقلق تدريجيًا بدلا من انفجاره المفاجئ.

يستحضر هذا النهج التشويق المصقول لأفلام الإثارة المنزلية في التسعينيات، مع لمسة عصرية أنيقة تركز على الحالة المزاجية وعدم الاستقرار بدلا من المبالغة البصرية.