Published On 15/1/202615/1/2026
|
آخر تحديث: 14:13 (توقيت مكة)آخر تحديث: 14:13 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
إذا زرت حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب لأول مرة، وشعرت بنظرات الاستغراب تلاحقك في الشوارع، فلا تتفاجأ. فهذان الحيان عاشا سنوات طويلة في عزلة شبه تامة عن محيطهما، فرضتها سيطرة قوات قسد وتحويل المنطقة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية المغلقة.
مراسل منصة “سوريا الآن” هادي طاطين يشرح كيف حولت قسد الشيخ مقصود والأشرفية إلى جزيرة معزولة داخل مدينة حلب؟
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
يقول المراسل إنه على مدى أعوام عُزل السكان عن امتدادهم الاجتماعي والثقافي في مدينة حلب، وتحولت أحياء كاملة، بحسب شهادات الأهالي، إلى “مناطق عسكرية” تراجعت فيها الخدمات الأساسية، وتدهورت البنية التحتية، وغابت عنها مظاهر الحياة الطبيعية التي اعتاد عليها الحلبيون.
ويقول أحد السكان إن الحواجز كانت تقيد حركتهم منذ أكثر من 14 عاما: “كان في حواجز لا نعرف نفوت ولا نطلع، والحمد لله اليوم راحت”. ويضيف أن الحواجز جعلت الخروج من المنطقة والدخول إليها عملية معقدة، تحتاج إلى موافقات وإجراءات، وتبقي السكان تحت مراقبة دائمة.
أما تاريخيا، فقد مثّل حيا الأشرفية والشيخ مقصود نموذجا للتنوع السكاني والهويات المتداخلة، فسكانهما ينتمون إلى مكونات مختلفة: أرمن، سريان، أكراد، عرب، تركمان، وشركس.
فسيفساء اجتماعية تعكس التعددية التي عُرفت بها مدينة حلب لعقود طويلة. ولكن هذا التنوع تراجع مع مرور الزمن، خاصة بعد سيطرة قسد وتحويل الحيين إلى ساحة لتجريب نموذج “الإدارة الذاتية” الكردية، سياسيا وأمنيا وإداريا.
أحد أبناء الحي يلخص هويته بكلمات بسيطة تحمل في طياتها حنينا لوحدة سورية غابت عن الواقع اليومي: “كلنا شعب واحد، سوري سوري نحن، مو نفرق (لا نفرق) بين هذا وهذا… كلنا سوريين”.
ويؤكد طاطين أن الإقامة أو الدخول إلى الحيين في فترة سيطرة قسد لم تكن أمرا عاديا، بل كانت تحتاج إلى إجراءات خاصة، والتأكد من أن الزائر أو المقيم لا يحمل توجها سياسيا معارضا، وإلا صار مهددا بالاعتقال، وفقا لما يرويه السكان.
يقول أحدهم: “كان الدخول والخروج بالزور، إما تطلع غصبا عنك، أو ما بيخلوك تطلع.. وإذا شغلك بالبلد (وسط حلب) لازم تحسب ألف حساب قبل ما تنزل”.
ويكمل المراسل في تقريره أن هذا التضييق ترك أثره العميق على العلاقات العائلية والاجتماعية. بحسب شهادة امرأة من أبناء الأشرفية تروي بحرقة ما كانت تعايشه في ظل سيطرة قسد قائلة: “إخواتي ما شفتهم بعشر سنين.. كان في خوف نروح على أحياء حلب الثانية، نخاف نطلع وما نرجع نفوت. اليوم الحمد لله بساعة ونص بقطع الطريق وبرجع، وبشوف إخواتي بعد سنين من الفراق”.
ويرى بعض الأهالي أن قسد لم تنجح في بناء علاقة ثقة أو مودة مع السكان، ويقول أحدهم: “ما عرفوا يتعاملوا مع المواطنين، عاملونا كأننا غرباء، ولا صار بيننا مودة ولا أخوة.. كانوا فاشلين، همهم البسطات والمجالس البلدية الشكلية، فإيش هالسيطرة اللي ما إلها معنى؟ سيطرة سياسية ما طلعت بنتيجة”.
ومع هذا الواقع، يقول طاطين إنه تشكل لدى شريحة من السكان شعور عميق بالعزلة عن محيطهم الحلبي الأوسع، عزلة غذتها القيود الأمنية، والخطاب الأيديولوجي، والمسيرات والتعبئة السياسية، إلى جانب نموذج حكم خاص فُرض على الحيين، وأخضع حركة الناس للدخول والخروج لمراقبة دائمة.
وتواجه الجهات المعنية اليوم، في أي مسار لإعادة الإعمار أو إعادة الدمج، مهمة صعبة تتمثل في توفير فرص العمل، وتحسين البنية التحتية، وتعزيز المشاركة المدنية، وإعادة الثقة بين الناس ومؤسساتهم، وبين هذه الأحياء ومدينة حلب ككل.
