برؤية متسعة الأفق، وخيال لا يعرف الحدود، تتآلف الكلمة والصورة، لتحاكي كل منهما الأخرى، حيث تزول الحواجز النمطية بين أشكال الإبداع، وتنطق الألوان بما باحت به الحروف، وذلك ضمن معرض فني حمل عنوان «المتنبي بين عبقرية الكلمة وإبداع الريشة».

المعرض الذي احتضنته مؤخراً مكتبة محمد بن راشد في دبي، وأحيا سيرة شاعر عربي لا يزال يملأ الدنيا ويشغل الناس، جمع ببراعة بين التصورات النقدية للدكتور علي بن تميم في كتابه «عيون العجائب فيما أورده أبو الطيب من اختراعات وغرائب»، ومحاكاة الجمال في لوحات الفنان التشكيلي العراقي الدكتور محمود شوبّر.

علي بن تميم

علي بن تميم

وأكد د. علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، في تصريح لـ«البيان»، أن أبا الطيب المتنبي نفسه صوَّر في قصائده لوحات عدة مما رآه في زمنه، مشيراً إلى أنه حاول بشعره أن يجسِّد ذلك المشهد البديع الذي كان مرسوماً خلف مجلس سيف الدولة الحمداني، أمير حلب آنذاك.

وأوضح أن الرسم الذي قام به الفنان التشكيلي د. محمود شوبّر للتعبير عن محتوى الكتاب هو ضرب من أشكال تبسيط الخطاب بحيث يصل إلى أطياف القراء كافة، سواء المتخصصون والهواة، مؤكداً أن الرسم قادر على أن ينقل الشعر والتأليف إلى آفاق تعزز الرسالة التي يحملها الكتاب عبر التأويل تارةً والتبسيط تارة أخرى.

ولفت بن تميم إلى أن شعر أبي الطيب لا يزال غنياً بفضاءات لم تنل حظها الكافي من البحث والدراسة، وأن تلقي إنتاجه الأدبي مليء بالتحيزات والإشكالات، موضحاً أن كثيراً من تلك القراءات أسهمت على مدى التاريخ في تنميط شعره، وأخرجته من كونه فناً وإبداعاً.

ودعا إلى التركيز على الدراسات الفنية التي تقارب شعر المتنبي بصورة أكثر إبداعية تليق بتجربته العريقة، لافتاً إلى العبقرية في اختراع المعاني الشعرية التي كانت سمة واضحة لعصره، بحيث ازدادت القدرة على قراءة الأسلاف، وإضافة نقلة نوعية عبر السرقة الحسنة التي عززها النقد الحديث تحت مفهوم «التناص».

فخر واعتزاز

محمود شوبّر

محمود شوبّر

و أوضح الفنان التشكيلي د. محمود شوبّر أن انجذابه إلى عوالم شعر أبي الطيب يرجع في المقام الأول إلى انتمائه إلى العراق، منوهاً بأن هذا الأمر يشكِّل مداعاة إلى الفخر والاعتزاز بمكانة المتنبي المهمة في الثقافة العربية وفقاً لما يثبته التقصي الجمالي والفني.

وقال: «ثمة أعمدة وركائز في تاريخ الثقافة العربية لا يمكن تجاوزها أو التغافل عنها، والمتنبي أحد تلك الأعمدة التي لا تزال ظلالها، بعد تلك السنوات، مهيمنة على طريقة التفكير لدى المثقف العربي»، مؤكداً ضرورة الوقوف عند مثل تلك القامات، وتأمل عوامل وصولها إلى مستويات عليا من الإبداع؛ لتحفيز الفكر وتهذيب النفس.

علاقات أزلية

ورأى شوبّر أن الحوار الإبداعي بين الشعر والفن التشكيلي واستلهام الفنانين أعمالهم من دواوين شعرية، قضية واردة بكثرة في الأوساط الثقافية، وأنها ليست حكراً على الفن العربي، مشيراً إلى أن علاقة المرئي بالمقروء تكاد تكون أزلية منذ بدايات الإنسان وتشكُّل المجتمعات على الأرض، وأن هناك توأمة قديمة تربط الكلمة بالرسم.

وبيَّن أن آلية الاشتغال القبلية عند الفنان تتكئ على الفكرة، وأن النص الشعري مهيأ لمخاطبة فكرة معينة قد تستهوي الفنان، ومن ثم تكون آلية ترجمتها ومحاكاتها أيسر، لافتاً إلى إمكانية العملية المعكوسة كما في لوحة «غرنيكا» التي صوَّر بها بابلو بيكاسو الحرب الأهلية الإسبانية سنة 1937، ووظَّفها شعراء في نصوصهم بوصفها أيقونة معبِّرة عن مأساة الحروب.