مؤيد زابطية داخل استديو منزله في طرابلس، 19 أكتوبر 2025 (محمود تركية/ فرانس برس)

يصوّر المخرج الليبي مؤيد زابطية معظم مشاهد فيلم جديد يعدّه داخل استديو صمّمه داخل منزله في العاصمة طرابلس. وفي بلد يكاد يغيب فيه الإنتاج السينمائي تماماً، باتت هذه الطريقة الوسيلة الوحيدة أمامه لممارسة فنه. فقبل انقلاب عام 1969 الذي أوصل معمر القذافي (1942 ــ 2011) إلى الحكم، كانت السينما مزدهرة في ليبيا، وكانت طرابلس وحدها تضم أكثر من 20 صالة عرض. لكن، كما يقول مؤيد زابطية (47 عاماً): “لم يعد لدينا دار عرض واحدة… ماتت السينما، ولم تعد هناك قاعات عرض”. ويؤكد الممثل محمد رزق، المشارك في الفيلم، بدوره، أنه “يجب السفر إلى الخارج لمشاهدة فيلم”.

سقط حكم القذافي عام 2011 بعد انتفاضة شعبية وتدخّل من حلف شمال الأطلسي، إلا أن آثار تلك المرحلة لا تزال تلقي بظلالها على البلاد. فليبيا اليوم منقسمة بين حكومتين: حكومة عبد الحميد الدبيبة المعترف بها دولياً في الغرب، وحكومة موازية في الشرق يدعمها المشير خليفة حفتر. لكن جذور أزمة السينما تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حين أغلق نظام القذافي معظم دور العرض، معتبراً أنها تمثّل “غزواً ثقافياً” وأماكن تجمّع يصعب السيطرة عليها. وفي العقود التالية، عانت السينما الليبية من “المرض” والغياب، كما يقول زابطية، وكانت الأفلام القديمة نفسها تُعرض مراراً في الصالات القليلة المتبقية.

(محمود تركية/فرانس برس)

بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، ظنّ مؤيد زابطية أن السينما “ستولد من جديد”، لكن عدم الاستقرار السياسي والصراعات بين المجموعات المسلحة، إضافة إلى “عدم اهتمام المسؤولين في جميع الحكومات منذ 2011″، حال دون ذلك، بحسب قوله. ومع ذلك، ظلّ حلم الطفولة بأن يصبح مخرجاً يرافقه. يتذكّر كيف كان يستأجر أفلاماً على أشرطة “في إتش إس” من متجر في الحيّ، قبل أن يبدأ تدريجياً منذ عام 2001 في تأسيس الاستديو الخاص به.

وبين انتظار تحسن الظروف وتقلّبات الواقع، كرّس زابطية عمله لأنواع فنية “أكثر ربحاً”، مثل تصوير حفلات الزفاف والمناسبات، والإعلانات التجارية، والمسلسلات التلفزيونية. واليوم، يجلس تحت ضوء خافت في استديو منزله، محاطاً بالفنيين، ويدير كل شيء: الممثلين، والديكورات، والأزياء. فيلمه الروائي الطويل الأول، وعنوانه “1986”، كتبه وأنتجه بنفسه، مستحضراً “ليبيا في ثمانينيات القرن الماضي، فترة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية” خلال حكم القذافي. ويروي الفيلم قصة جيل يتوق إلى الحرية في ظلّ الخوف والرقابة والقمع.

ويرى زابطية أن ما يعيق تطوّر السينما الليبية اليوم لم يعد الرقابة وحدها، بل مجموعة كاملة من التحديات، أبرزها غياب الدعم العام، رغم محاولات السلطات الأخيرة لإنعاش الفن السابع من خلال تنظيم مهرجانات سينمائية وتأسيس المعهد الليبي للسينما عام 2021.

ويفضّل زابطية تصوير معظم المشاهد داخل الاستديو، لأن “التصوير في الشارع في ليبيا متعب جداً”، في بلد غير معتاد على رؤية فرق تصوير تعمل في الأماكن العامة. ومن العقبات الأخرى التي تواجه السينما الليبية عزوف العديد من النساء عن الظهور أمام الكاميرا خوفاً من ردات فعل محافظة، على الرغم من أنه “يستحيل الحديث عن المجتمع من دون المرأة”، كما يؤكد.

(محمود تركية/ فرانس برس)

ورغم الظروف الصعبة، برزت في السنوات الأخيرة أعمال ليبية نالت اهتماماً دولياً، من بينها الفيلم الوثائقي “ملاعب الحرية” للمخرجة الليبية البريطانية نزيهة عريبي، الذي يروي قصة ثلاث لاعبات كرة قدم، وعُرض في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي عام 2018. ومن الأعمال الأخرى فيلم “دونجا” للمخرج مهند لامين، الذي يتناول ثورة 2011، وقد عُرض في مهرجان أمستردام السينمائي الدولي عام 2023.

ويرى زابطية أن مستقبل السينما الليبية قد يجد فرصة عبر منصات البث ذات الإمكانات الهائلة، مثل “نتفليكس” و”أمازون”. فبرغم الاتهامات المتواصلة لهذه المنصات بإضعاف دور العرض، إلا أنها قادرة على “إبراز الإنتاجات المحلية على المستوى العالمي”، كما يقول.

(محمود تركية/ فرانس برس)

(فرانس برس، العربي الجديد)