لم يكن عام 2025 كغيره بالنسبة للسينما الفرنسية، إذ صادفت تحولاً كمياً ونوعياً في الإنتاج، قد يؤهلها لاستعادة الريادة على مستوى السينما العالمية.

    خاض الفرنسيون في أنواع سينمائية بعينها، ومناطق جغرافية وقنوات توزيع. ووفقاً لأرقام التصدير الأولية الصادرة عن “يونيفرانس” – مؤسسة الترويج الدولي للسينما الفرنسية – في يناير/كانون الثاني 2026، حققت الأعمال الفرنسية ما يقدر بـ42.5 مليون مشاهدة، وإيرادات تتجاوز 272 مليون يورو (296 مليون دولار أميركي) في شباك التذاكر العالمي، مع عرض نحو 230 فيلمًا جديداً في الخارج خلال ذلك العام.

    اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

    وتكتسب هذه الأرقام أهمية كونها تأتي في سوق عالمية لا تزال تعيد بناء عادات المشاهدة بعد اضطرابات جائحة كوفيد-19.

    وتشير “يونيفرانس” إلى أن عام 2025 يتماشى مع مستويات عامي 2023-2024 – أي أكثر من 40 مليون مشاهدة – دون العودة إلى مستويات ما قبل الجائحة التي سُجلت في عامي 2018-2019.

    ويضيف موقع “سين أوروبا” – مؤسسة أوروبية متخصصة في أخبار صناعة السينما – مستشهداً بالبيان الصادر عن يوم التصدير نفسه، ملاحظة مهمة: لا يزال توزيع الأفلام الفرنسية عالمياً أقل من متوسطات ما قبل الجائحة، حتى مع تحسن عام 2025 مقارنةً بالعام السابق.

    الرسوم المتحركة في المقدمة

    كانت الرسوم المتحركة هي المحرك الأبرز، إذ تشير تقديرات “يونيفرانس” إلى أن أفلام الرسوم المتحركة شكلت ثلث إجمالي إيرادات الأفلام الفرنسية عالميًا في عام 2025.

    ويظهر تحليل “سين أوروبا” أن الرسوم المتحركة بلغت 34.3% من إجمالي الإيرادات، متقدمةً على الدراما (23.6%) والكوميديا (20.3%). وبالتالي فإن “السينما الفرنسية” التي حققت أفضل إيرادات عالمية العام الماضي لم تكن متوافقة مع الصورة النمطية التقليدية للأفلام الفرنسية المستقلة القائمة -بشكل أساسي- على الحوار.

    ويتضح هذا أيضًا في الأفلام التي تصدرت، إذ أفاد “سين أوروبا” أن فيلم “فلو” (Flow) للمخرج غينتس زيلبالوديس، وهو إنتاج مشترك محدود، كان الأكثر مشاهدةً، حيث حقق 7.8 مليون مشاهدة عالمية. تلاه فيلم “دراكولا” للمخرج لوك بيسون (3.7 مليون مشاهدة في 41 دولة)، ثم “فالكون إكسبريس”، وهو فيلم رسوم متحركة، وحقق (2.3 مليون مشاهدة في 43 دولة).

    كما سلطت مجلة “فارايتي” الضوء على رواد التصدير بما في ذلك “فلو” و”إميليا بيريز” و”دراكولا” (Dracula: A Love Tale).

    الإنتاج المشترك للأقليات

    دفعت جهات التمويل الفرنسي بالأقليات في مقدمة المشهد السينمائي، ووفرت الأموال اللازمة للإنتاج المشترك، لتنفذ مشروعات أفلام يوجد فيها التمويل الفرنسي لكنه لا يهيمن عليها.

    وتشير “سين أوروبا” إلى أن الإنتاجات الفرنسية للأقليات استحوذت على 44.9% من إجمالي الإيرادات الدولية للسينما الفرنسية عام 2025.

    وأتاحت تلك الإستراتيجية للفيلم الفرنسي أن ينتشر رغم المنافسة المحلية في البلاد التي يتم تصديره إليها، فهي اللغة نفسها والصناع الذين ينتمون في الأصل إلى تلك البلاد.

    هذه المعلومة مهمة لأنها توضح كيف يمكن لفرنسا “التوسع” حتى في ظل المنافسة الشديدة التي تواجهها.

    وتناولت الصحافة الفرنسية هذه النقطة نفسها بأسلوب أكثر وضوحًا، وفيلم مثل “فلو”، الذي يعد أقوى الأفلام المصدّرة لهذا العام، يناقش على أنه “ليس فرنسيًّا بالكامل”، مما يبين كيف أن إحصاءات تصدير “السينما الوطنية” الحديثة تعكس بشكل متزايد هياكل التمويل والحقوق بدلاً من اللغة وحدها.

    أميركا اللاتينية تصعد والمكسيك تتصدر

    يشير ملخص صادرات “يونيفرانس” إلى تحول جغرافي مهم، فقد أصبحت أميركا اللاتينية ثاني أكبر منطقة من حيث عدد المشاهدين، وكانت المكسيك من بين المناطق التي شهدت أعلى مبيعات للتذاكر.

    ويفصل موقع “سين أوروبا” حجم هذا التحول، مشيرًا إلى أن أوروبا الغربية لا تزال تتصدر (44.8% / 17.2 مليون مشاهدة)، لكن أميركا اللاتينية ارتفعت إلى (23.1% / 8.8 مليون مشاهدة)، لتصبح ثاني أقوى منطقة، بينما بلغت المكسيك وحدها 4.2 مليون مشاهدة، لتصبح بذلك أقوى سوق وطنية منفردة للسينما الفرنسية على مستوى العالم في عام 2025، وهو ما يشير إلى إعادة توازن الطلب بعيدًا عن النموذج المألوف الذي يعطي الأولوية لأوروبا.

    فيلم ايميليافيلم إيميليا بيريز (الجزيرة)

    كما تشير “سين أوروبا” إلى أن أوروبا لا تزال تمثل 61.5% من إجمالي الإيرادات الأجنبية في عام 2025، إلا أن هذه النسبة تراجعت عن ذروتها الأخيرة، مما يوحي بتنويع طويل الأمد.

    وقد أكدت بعض وسائل الإعلام الفرنسية هذه “الخريطة الجديدة” لجمهور السينما. وتقول دانييلا إلستنر، الرئيسة التنفيذية لشركة “يونيفرانس” في تصريح صحفي “أميركا اللاتينية منطقة ذات قاعدة جماهيرية مستدامة للسينما الفرنسية المستقلة، وهي قاعدة جماهيرية لم نهملها”.

    أوروبا حجر الزاوية

    لا تزال أوروبا تشكل حجر الزاوية في الانتشار الدولي للسينما الفرنسية. وتصنف “سين أوروبا” إيطاليا (4 ملايين مشاهدة)، وألمانيا (3.2 مليون)، وإسبانيا (2.2 مليون)، وبلجيكا/لوكسمبورغ (1.7 مليون)، والمملكة المتحدة/أيرلندا (1.4 مليون) ضمن أقوى الأسواق الأوروبية.

    لكن أوروبا ليست سوقًا موحدةً محايدةً سياسيًا. وتقول يونيفرانس إن 20% من الأفلام الروائية المختارة مؤخرًا للمشاركة في “أهم عشرة مهرجانات سينمائية دولية” هي أفلام فرنسية، ما يجعل فرنسا ثاني أكثر الجنسيات تمثيلًا في قوائم هذه المهرجانات.

    وحتى بدون ذكر جميع الأفلام، تشير هذه النسبة إلى قوة فرنسا المستمرة في التأثير على معايير الاختيار، إذ لا تزال فرنسا تضع الأعمال في المكانة التي يقرر فيها صناع الذوق العالميون والمبرمجون والمشترون ما يعتبر “فيلمًا لا يفوت”.

    إذا كانت “الريادة” تعني عودة الهيمنة الثقافية لدولة واحدة، فإن الأدلة لا تدعم هذا التصور. تؤكد مؤسسة “يونيفرانس” نفسها أن عام 2025 لم يشهد بعد عودة مستويات الإنتاج السينمائي إلى مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19.

    وبالمثل، تُشدد “سين أوروبا” على الفجوة مع مستويات التوزيع قبل الجائحة. أما في مجال البث الرقمي، فتُعدّ فرنسا دولةً قويةً بالنسبة لدولة أوروبية غير ناطقة بالإنجليزية، لكنها لا تزال تحتل المرتبة السادسة من حيث حصة الإصدارات الأجنبية الجديدة، خلف العديد من الشركات العالمية العملاقة.

    لكن إذا كانت “استعادة الريادة” تعني إعادة بناء الطلب العالمي وفق نموذج أكثر حداثة – حيث تُعتبر الرسوم المتحركة عنصرًا أساسيًا، وتُساهم الإنتاجات المشتركة بين الأقليات في توسيع نطاق الوصول، وتُصبح أميركا اللاتينية ركيزة رئيسية، وتُحافظ المهرجانات على قنواتها المرموقة مفتوحة – فإن عام 2025 يبدو خطوةً جديرةً بالثقة في هذا الاتجاه.

    ولعلّ أبرز دليل على ذلك هو أن الأداء الدولي للسينما الفرنسية في عام 2025 لم يكن مدفوعًا بنجاح فيلم واحد لمخرجٍ مبدع، بل بنظام بيئي متكامل، أركانه هي تنويع الأنواع السينمائية، وهيكل التمويل، والتوسع الجغرافي، والتوزيع عبر المنصات المتعددة.

    وإذا استمر هذا النمط، فقد تبدو “القوة الناعمة” الفرنسية في السينما أقل شبهاً بقصة عودة، وأكثر شبهاً بقصة صناعة وطنية تتعلم السفر بشكل مختلف في عالم جديد.