قبل ربع قرن، شد نسيم حميد الرحال من ربيع انجلترا البارد إلى دفء جنوب كاليفورنيا، استعداداً لأصعب نزال في مسيرته الاحترافية في بالم سبرينغز «جنة المشاهير»، وأقام بطل الملاكمة البريطاني في منزل أسطورة الغناء بينغ كروسبي، وخاض معسكراً فاخراً سبق مواجهته التاريخية أمام المكسيكي ماركو أنطونيو باريرا على لقب العالم في الملاكمة لوزن الريشة.
في المقابل، كان باريرا يصقل أدواته القتالية في معسكر متواضع على مرتفعات جبل بيغ بير، في تناقض لافت بين أسلوبي التحضير، وبدا حميد، خلال الحصص المفتوحة للإعلام، في قمة الجاهزية البدنية، مستعرضاً مهاراته الاستثنائية في الملاكمة الظلية، والقوة، والرشاقة، وسط إعجاب الحضور، دون أن يدرك أحد الثمن الباهظ لذلك الجهد المفرط.
وتسببت تلك التدريبات القاسية، إلى جانب صراعه المستمر مع الميزان، في إنهاك جسده، وتسريع تراجع حالته البدنية، رغم دخوله النزال مرشحًا فوق العادة، خاصة بعد انتقال باريرا إلى وزن أعلى لمواجهته، ولكن الحقيقة كانت بانتظاره في حلبة غراند في لاس فيغاس ليلة 7 أبريل 2001، حيث تلقى حميد الهزيمة الوحيدة في مسيرته الاحترافية، في قرارٍ بإجماع الحكام.
وتلك الليلة تشكّل المحور الأساسي لفيلم «العملاق» الذي يتناول سيرة نسيم حميد، والذي لم يخف استياءه من العمل الفني واعتبره خيالاً من هوليوود، لأنه يقدم رواية بعيدة عن الحقيقة، ومشحونة برؤية أحادية تعتمد على روايات مغلوطة.
وقال حميد لصحيفة «ديلي ميل»، خلال زيارة حديثة إلى لندن قادماً من مقر إقامته في دبي: «لم أستشر في أي مرحلة، والفيلم اعتمد على أقوال ابن مدربي الأول، وقدم قصة خيالية لا تعكس حقيقة ما جرى، ويظهر الفيلم علاقتي ببريندان إنجل وكأنني أسأت إليه، بينما الحقيقة أن الخلاف كان بسبب الطمع والمال».
ويحمل الفيلم إنجل مسؤولية الانهيار الفني لحميد، وهو ما يراه الأخير ظلماً لتاريخ مدرب كان له فضل كبير في بداياته، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن موهبته الفطرية وقوته الاستثنائية كانتا العامل الحاسم في صعوده السريع.
ورغم اعترافه بأن إنجل لعب دوراً محورياً في إنقاذه من الانزلاق في بيئة صعبة، يؤكد حميد أن الفيلم بالغ في تضخيم الصراع الشخصي على حساب مسيرته داخل الحلبة، إذ غابت معظم محطاته القتالية الكبرى، مثل نزاله الأسطوري أمام كيفن كيلي في ماديسون سكوير غاردن، أو تتويجه الأول على حساب ستيف روبنسون.
ويرى متابعون أن «العملاق» يركز أكثر على الدراما النفسية والعلاقات المتوترة، مقارنة بعرض الإرث الرياضي الفريد لأحد أكثر الملاكمين إثارة للجدل والجماهيرية في تاريخ بريطانيا.
ورغم ابتعاده عن الأضواء بعد الاعتزال، يعيش نسيم حميد اليوم حياة هادئة مع أسرته، قبل أن يعود للظهور تدريجياً عبر دعم المواهب الصاعدة، مؤكداً أن رسالته تتجاوز الحلبة، بوصفه مصدر إلهام لجيل كامل من الشباب من أصول مهاجرة، وقال: «أنا فخور بكل هوياتي، وأريد فقط أن تروى الحقيقة كما كانت، لا كما أرادها خيال هوليوود».
