بدأ رئيس كوريا الجنوبية، لي جيه ميونغ، العام الجديد، وهو يخوض مهمة دبلوماسية شديدة التعقيد، قد تشكل تحدياً حتى لأكثر القادة خبرة وحنكة. فقد استهلها بزيارة رسمية إلى بكين، هي الأولى لرئيس كوري جنوبي منذ عام 2019، ثم واصل تحركاته الدبلوماسية بلقاء رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في مسقط رأسها. وتعكس هذه الخطوات محاولة واعية لإعادة صياغة موقع كوريا الجنوبية بين قوتين إقليميتين متنافستين، في ظل توازن بالغ الحساسية.
ومن الواضح أن كلاً من الصين واليابان يسعى إلى استمالة كوريا الجنوبية، بينما يجد الرئيس لي نفسه مضطراً للسير على حبل دقيق بين الطرفين. وتهدف استراتيجيته إلى تعميق العلاقات مع بكين وطوكيو في آن واحد، من دون الانجرار إلى صراعات إقليمية مباشرة أو الانحياز لطرف على حساب الآخر، بل وربما الإسهام في تخفيف حدة التوترات القائمة بينهما.
وتأتي هذه الإدارة الحذرة للعلاقات الثلاثية في سياق دولي مضطرب يتسم بازدياد الغموض وعدم اليقين، وهو ما ظهر جلياً في السياسات التدخلية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، سواء في فنزويلا أو في مناطق أخرى من العالم. وفي عواصم شمال شرق آسيا، كما في أوروبا، يتردد الحديث عن نظام عالمي جديد يتجه نحو الانقسام إلى مناطق نفوذ متصارعة.
وقال المعلق المتخصص بالشؤون الدولية في صحيفة «هانكيورا» الكورية الجنوبية، جانغ آي – جيل، إن «الولايات المتحدة في عهد ترامب لم تعد تكتفي بالسعي إلى الهيمنة العالمية، بل باتت تطمح إلى ترسيخ نفوذها بوصفها القوة المهيمنة داخل القارة الأميركية على وجه الخصوص».
تاريخ مشترك
شكّلت زيارة لي إلى الصين مطلع يناير 2026، التي استمرت أربعة أيام، امتداداً مباشراً للحملة الدبلوماسية التي أطلقتها بكين تجاه الحكومة الكورية الجنوبية الجديدة، وهي حملة بدأت مع حضور الرئيس الصيني شي جين بينغ، قمة «آسيا والمحيط الهادي للتعاون الاقتصادي» في نهاية العام الماضي. وقد ركز الخطاب الصيني خلال الزيارة على مفاهيم الصداقة والمنفعة المتبادلة، مع التأكيد على توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والثقافي بين البلدين.
ورافق الرئيس الكوري الجنوبي في زيارته وفد ضخم، ضم نحو 200 من كبار قادة الشركات، في إشارة واضحة إلى أولوية المصالح الاقتصادية.
غير أن شي وقيادة بلاده لم يخفوا في الوقت ذاته مساعيهم لإطار العلاقة مع كوريا الجنوبية ضمن سياق تاريخي مشترك، يستحضر نضال البلدين السابق ضد الإمبراطورية اليابانية.
وكانت حدة التوتر بين بكين وطوكيو تفاقمت بعد تصريح علني لتاكايتشي في السابع من نوفمبر الماضي، ألمحت فيه إلى إمكانية مشاركة اليابان في أي صراع محتمل في خليج تايوان. ورداً على ذلك، صعّدت الصين من لهجتها، وكان آخر مظاهر هذا التصعيد، التهديد بفرض قيود على صادرات التكنولوجيا ذات «الاستخدام المزدوج».
«الصين الواحدة»
وفي هذا الإطار، أبدى الرئيس الكوري الجنوبي استعداداً لتلبية أحد المطالب الصينية الأساسية، حيث أعاد التأكيد على موقف كوريا الجنوبية الثابت من قضية تايوان، مؤكداً احترامه لمبدأ «الصين الواحدة». كما أشار إلى التاريخ المشترك الذي جمع الصين وكوريا في مقاومة «الإمبريالية اليابانية» سابقاً، مستحضراً فصولاً من النضال ضد الاستعمار خلال النصف الأول من القرن الـ20.
ورغم أن جمهورية كوريا لم تُؤسس رسمياً إلا عام 1948، فإن العديد من الكوريين شاركوا في مقاومة الاحتلال الياباني بين عامي 1910 و1945. وخلال زيارته للصين، توقف لي في شنغهاي في لفتة رمزية لإحياء ذكرى ميلاد كيم كو، أحد أبرز قادة الحركة الوطنية الكورية، الذي ترأس حكومة كورية في المنفى هناك.
ومع ذلك، لم يحقق لي مكاسب ملموسة في مسعاه لإقناع الصين بالضغط على رئيس كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، للعودة إلى طاولة الحوار مع سيؤول. فعلى الرغم من الإشارات العامة إلى أهمية الحوار، غاب أي ذكر صريح للوضع في شبه الجزيرة الكورية، كما جاء الرد الصيني أقل من التوقعات، واقتصر على عبارات عامة لا ترقى حتى إلى تكرار الدعم التقليدي لنزع السلاح النووي، الذي اعتادت سيؤول الترحيب به.
تفاؤل
في المرحلة التالية من مساره الدبلوماسي المعقد، توجه الرئيس لي إلى اليابان بعد زيارة الصين، حيث عقد لقاءً كان يُنظر إليه على أنه قد يشكل فرصة لتحقيق اختراق في العلاقات الثنائية. واستضافت رئيسة الوزراء تاكايتشي هذا اللقاء في مسقط رأسها بمدينة نارا، الواقعة شرق أوساكا.
وكان الزعيمان التقيا سابقاً لمدة 45 دقيقة على هامش قمة «آسيا والمحيط الهادي للتعاون الاقتصادي»، حيث بذل لي جهوداً واضحة لتغيير الصورة النمطية عنه بوصفه «معادياً لليابان»، مؤكداً في المقابل أهمية بناء علاقة قائمة على التطلع إلى المستقبل. واستند في ذلك إلى ما تحقق من تقدم خلال عهد الإدارة المحافظة السابقة برئاسة يون سوك يول في تحسين العلاقات مع طوكيو.
وأثار هذا اللقاء تفاؤلاً لدى بعض المراقبين بإمكانية قيام شراكة غير متوقعة بين لي وتاكايتشي، تقوم جزئياً على مخاوف مشتركة من صعود الصين، وعلى الحاجة إلى تنسيق المواقف في مواجهة سياسات إدارة ترامب.
وكتبت الباحثة اليابانية إيومي تيروكا في مجلة «فورين أفيرز» أن «التدهور المتسارع في البيئة الأمنية في منطقتي المحيطين الهادي والهندي يجعل التعاون بين الزعيمين (لي وتاكايتشي) أمراً ضرورياً لا مفر منه».
ويستند هذا التفاؤل إلى جملة من الافتراضات غير المضمونة، من بينها إمكانية تجاوز الخلافات التاريخية العميقة المرتبطة بالحرب والاستعمار، وتخلي تاكايتشي عن مواقفها القومية المحافظة، وتبنيها نهجاً براغماتياً قريباً من مقاربة لي، فضلاً عن افتراض وجود رؤية أمنية مشتركة تجاه قضايا المنطقة.
ملفات خلافية
وقد جرت زيارة مدينة نارا، التي بدأت في 13 يناير واستمرت يومين، بسلاسة نسبية، حيث تجنب الطرفان الخوض في القضايا الشائكة. إلا أن مؤشرات التحدي لم تغب، خصوصاً من الجانب الياباني، حيث واصلت تاكايتشي تصريحاتها التي تصف جزر دوكدو، المعروفة في اليابان باسم تاكيشيما، بأنها «محتلة بصورة غير قانونية». كما واظبت على زيارة ضريح ياسوكوني المثير للجدل، المخصص لضحايا الحرب اليابانيين، ولم تستبعد القيام بذلك بصفتها رئيسة للوزراء.
ويحرص لي على إقامة علاقة عملية قائمة على التعاون مع تاكايتشي. وتوقع أحد المحللين السياسيين قبل اللقاء أن تنجح الدبلوماسية المكوكية بين الزعيمين طالما التزم الطرفان بعدم التصعيد في القضايا الحساسة، وهو ما تحقق بالفعل، حيث انتهى اجتماعهما بنتائج إيجابية من حيث الشكل.
غير أن الاكتفاء بتجنب الملفات الخلافية لا يبدو كافياً على المدى الطويل. فالتقدم الحقيقي يتطلب معالجة هذه القضايا، وفي مقدمتها ملف تعويض ضحايا العمل القسري وأسرهم، وهو ملف قد يؤدي إلى مصادرة أصول شركات يابانية. ويرى التيار التقدمي في كوريا الجنوبية أن التركيز على الاعتبارات الاستراتيجية وحدها لا يلبي تطلعات الرأي العام.
وفي افتتاحيتها، كتبت صحيفة «كيونغيانغ شينمون» الكورية الجنوبية، أن تجاهل القضايا التاريخية والإقليمية لا يمثل حلاً، مشيرة إلى أن اليابان ظلت غير مبالية بتلك القضايا، وهو ما يعزى جزئياً إلى ضعف المعارضة الكورية الجنوبية. عن «أيجا تايمز»
التحدي الأكبر

لا توجد مؤشرات واضحة على أن رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، تسعى إلى ما هو أبعد من الحفاظ على مظهر التعاون. وربما يتمثل التحدي الأكبر أمام رئيس كوريا الجنوبية، لي جيه ميونغ، في أن تاكايتشي تتبنى نهجاً تصادمياً واضحاً تجاه الصين، وهو نهج يشكل أحد أعمدة التحالف السياسي الذي تقوده داخل اليابان.
ومع ذلك، يبدو أن الرئيس لي ينجح، في المرحلة الراهنة على الأقل، في إدارة العلاقة المعقدة بين الصين واليابان بقدر من التوازن والمرونة. أما ما ستؤول إليه هذه المعادلة مستقبلاً فلايزال أمراً مفتوحاً على احتمالات عدة.
. مراقبون يرون إمكانية شراكة بين سيؤول وطوكيو تقوم جزئياً على مخاوف مشتركة من صعود الصين.
. الصين شددت على المنفعة المتبادلة وتوسيع التعاون الاقتصادي والثقافي مع كوريا الجنوبية.
