الشارقة 24:
نظم النادي الثقافي العربي في الشارقة، مساء الخميس، أمسية أدبية بعنوان (السياب.. مطر الشعر الذي لا يتوقف) تحدث فيها الأستاذ الدكتور د. غانم السامرائي أستاذ النقد والأدب المقارن، وأدارها الإعلامي الأمير كمال فرج.
وفي تقديمه قال الأمير كمال إن د. غانم السامرائي هو أستاذ الأدب المقارن والترجمة الأدبية، يحمل دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة بورتسموث البريطانية، وله العديد من المؤلفات والأبحاث في مجالات الشعر والمسرحية والترجمة، وشارك في تحكيم عدد من المسابقات العالمية، وعَمِل في عدة مناصب أكاديمية مرموقة.
وطرح الأمير كمال عدة تساؤلات حول استعادة السياب في راهن الأدب العربي، وتأثيرات الواقع الاجتماعي والنفسي والثقافي في تجربة السياب.
واستهل الدكتور غانم السامرائي حديثه قائلا: “كلنا نعرف عن بدر شاكر السياب الكثير، لكننا حين نستذكره اليوم نستعيد حالة شعرية ما نزال نعيشها، فالسياب يثير إشكالات كبرى، ويطرح الأسئلة الكبرى، فلماذا السياب الآن في زمن النصوص السريعة والصورة الخاطفة والجرعات الفكرية الوامضة التي تنافي مطولات السياب وصوره الواسعة وفكره العميق؟
لقد كتب السياب حين بدأ المعنى يتصدع، ونحن اليوم نعيس اكتمال هذا التصدع، نعيش هشاشة المعنى وربما غيابه، فالسياب كان شاعر بداية الأزمة، وحين نتذكره فإننا لا تستدعي شاعرًا من أرشيف الحداثة، بل نوقظ حالة شعرية لا تزال تعمل في وعينا، فهو ليس اسما في كتاب، لكنه كتاب لا يغلق.
وقسم السامرائي حديثه عن السياب إلى محورين: المحور الأول عنونه بـ (شعر الشباب والقلق الجمالي)، وتحدث فيه عن تحول التشبيه والرمز في شعر السياب من الوصف البسيط إلى الأسطورة التي أصبحت بنية شعرية كاملة، ومثل لذلك بقصيدته (أنشودة المطر) حين يقول في بدايتها (عيناك غابتا نخيل في السحر)، فإنه لا يصف، بل يأخذ الوصف إلى سياقات الأسطورة، فالنخيل هو العراق، والسحر اللحظة القلقة المعلقة بين الظلام والضياء، والعينان هما المرأة الأم أو الأمة، لقد بدأ كتابة القصيدة حين كان مغتربا في الكويت ينظر من شاطئ الخليج إلى الضفة الأخرى، فيترأى له نخيل البصرة، فالمطر تحول عنده إلى ذاكرة وحزن ووعد مؤجل، إلى بنية شعرية كاملة، وليس رمزاً عابراً.
كما تحدث أيضا عن الإيقاع، ورأى أن انتقال السياب إلى شعر التفعيلة كان ضرورة شعرية، فمن الظلم اختزاله في كونه مجددا في التفعيلة، فلم يكن ذلك خيارا جمالياً، بل ضرورة نفسية، فالمرض فرض عليه نفسا متقطعا، والمنفى يكسر انتظام الإيقاع، والقلق لا يحتمل البحر الصارم، لذلك ابتدع شعر التفعيلة، ولم يكسر العمود، لكنه كشف أزمته.
وختم د. السامرائي هذا المحور بالقول إن السياب إلى أيقونة، واختزل في كونه رائدا من رواد الحداثة الشعرية، واكتفينا بصورته الرمزية المبجلة، ولم نعد نقرأه تلك القراءة العميقة التي تسبر أغوار اللغة السيابية، وتغوص في أساليبه وعلائق شعره بحياته، ونحن اليوم نحتاج إلى إعادة قراءته، وإعادة توظيف قلقه في ثقافتنا.
المحور الثاني الذي تناوله السامرائي عنوة بـ (لحظات كاشفة في سيرة السياب) تحدث فيها عن قرارات جذرية اتخذها السياب في حياته تبدو للوهلة الأولى غير مبررة، لكنها تكشف عن منطق الشاعر الذي يفكر ويختبر اللغة، أولها أنه التحق بقسم اللغة العربية بدار المعلمين، وبعد سنتين في هذا القسم طلب الانتقال إلى قسم اللغة الإنجليزية في نفس المدرسة فقبل، وكان ذلك انتقالا غير منطقي؛ لأنه انتقال من لغة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى أخرى، لكنه استفاد منه في تعزيز ثقافته العربية بعناصر ثقافية جديدة كان لها أثر بالغ في تجربته، خاصة، بالحس الدرامي والرمز، القرار الآخر هو حين سافر للدراسة الجامعية في مدينة درم البريطانية، لكنه لم يحتملها فغادرها على الفور وهجاها بقصيدة شهيرة، فكان ذلك موقفاً وجودياً واضحاً، يدل على أن السياب لم يكن منبهرا بالغرب، بل كان شاعرة يبحث عن حرارة الموقف وحميمية الأهل والأصدقاء، فلم يحتمل الغربة.
القرار الثالث هو كتابته (سفر أيوب) التي وصل فيها ذروة السمو الروحي، لقد أنهكه المرض، ولم يترك في نفسه مضغة، ولم يترك في عروقه دما، لكن روحه بقيت سامية ترتفع فوق جسدها المنهك لتؤكد كرامتها الروحية، في هذا الموضع تحديدا، يتجاوز السباب حدود الحداثة التقنية ليبلغ حداثة أخلاقية وروحية، فلما تحققت في الشعر العربي الحديث.
هذه الوقائع الثلاث لا تقرأ بوصفها طرائف سيرة، بل بوصفها مفاتيح لفهم شاعر لم يضع حداثته في القصيدة وحدها، بل في اختبارات وجودية حزينة، فالشباب في جوهره، لم يكن يبحث عن شكل جديد للشعر، بل عن طريقة أصدق للوجود في اللغة.
