Published On 17/1/202617/1/2026

|

آخر تحديث: 13:57 (توقيت مكة)آخر تحديث: 13:57 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

share2

تظل أفلام الجريمة في هوليوود المرآة الأكثر صدقًا في عكس المخاوف المرتبطة بانحراف المؤسسات في الولايات المتحدة الأميركية. ولعل الأفلام التي أعقبت فضيحة ووترغيت تمثل الشاهد الأبرز على هذا الصدق في القرن الماضي، بينما تقوم مسلسلات الدراما البوليسية الساخرة على منصات البث بدور شاهد القرن الحادي والعشرين. هذا النوع السينمائي يلتقط اللحظات التي تبدأ فيها الأنظمة، المفترض أن وظيفتها حماية البلاد، في التآكل والانهيار من الداخل.

يندرج فيلم “التمزق” (The Rip) للمخرج جو كارنهان، المعروض حاليًا على نتفليكس (Netflix)، ضمن هذا السياق. فهو عمل يدور في عالم الجريمة، لكنه يخلو عمدًا من الإثارة البصرية والتحولات الصادمة. “التمزق” فيلم إثارة أخلاقي بإيقاع بطيء، يتعامل مع الفساد بوصفه آلية دائمة ومتجذرة، لا حادثًا عابرًا.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

في بدايته، قد يبدو الفيلم بسيطًا أو تقليديًا، غير أن هذا الانطباع سرعان ما يتكشف بوصفه خدعة سردية. تدور القصة حول محققين من ميامي يعثران على مبلغ مالي ضخم عقب مداهمة فاشلة لمكافحة المخدرات. ومن هذه اللحظة، يبدأ التعقيد الحقيقي، إذ يتحول الاكتشاف ذاته إلى العقدة المركزية. فالمال ليس مجرد غنيمة، بل اختبار حاسم للولاء والأخلاق، ولمفهوم النزاهة داخل المؤسسة الأمنية.

سينما الجريمة في عصر البث المباشر

يصعب فصل الفيلم عن السياق الذي ظهر فيه. فقد شهدت أفلام الجريمة الأميركية خلال العقد الأخير، خصوصًا تلك المنتجة لمنصات البث، تحولًا واضحًا من الدراما التقليدية إلى أعمال أقرب إلى تأملات أخلاقية تركز على بناء الشخصيات ودوافعها الداخلية. وفي هذا الإطار، كرست منصة نتفليكس مكانتها كمساحة لعرض قصص عن الفساد والسلطة والانحرافات الأخلاقية بمختلف أشكالها، مستفيدة من هامش أوسع في الإيقاع والسرد، بعيدًا عن قيود العرض السينمائي التقليدي.

ن أفليك ومات ديمون وكاتالينا ساندينو وستيفن يون، تايانا تايلور وساشا كالي في فيلم "التمزق" (نتفليكس)بن أفليك ومات ديمون وكاتالينا ساندينو وستيفن يون، تايانا تايلور وساشا كالي في فيلم “التمزق” (نتفليكس)

ينسجم فيلم “التمزق” مع هذا التوجه، إذ يتسم بضبط واضح للنبرة، مفضلاً بناء التوتر النفسي على مشاهد الحركة المبالغ فيها. ويعكس إيقاعه البطيء نسبياً توجهاً أوسع في سرديات الجريمة المعاصرة، التي لا تتعامل مع المؤسسات بوصفها أطراً صلبة، بل كبنى هشة تحافظ على تماسكها العادة والخوف وسلسلة من التنازلات الضمنية. تقوم حبكة الفيلم على فرضية بسيطة: محققان شريكان، أمضيا سنوات في العمل وفق القواعد غير الرسمية للمؤسسة الشرطية، يعثران على مخبأ سري للمال وسط الفوضى التي أعقبت عملية مخدرات فاشلة. لا شهود، ولا تهديداً فورياً بالمحاسبة، وعلى كل منهما أن يختار.

يترك الفيلم ثقل هذا الاختيار يتكشف تدريجياً، من دون السعي إلى ذروة درامية تقليدية. يتسلل الشك بهدوء، وتغدو المحادثات أكثر حذراً، فيما تتراكم التنازلات الأخلاقية الصغيرة. وسرعان ما يتضح أن ما بدا في البداية فرصة بلا ضحايا يتحول إلى قوة مدمرة تعيد تشكيل العلاقات وتعيد ترتيب الأولويات.

تلعب مدينة ميامي دوراً محورياً في إبراز التناقض بين واجهتها البراقة وشوارعها المشمسة وإطلالاتها البحرية، وبين الانحلال الأخلاقي الذي يتغلغل في فضاءاتها الداخلية المصقولة. فخلف الديكورات النظيفة والمنظمة، يزدهر فساد صامت في أماكن صممت لتبدو ناجحة وآمنة.

من يستحق الثقة؟

يطرح صناع الفيلم هذا السؤال مراراً: أين تكمن الولاءات الحقيقية؟ هل هي بين الشركاء، أم بين الفرد والمؤسسة، أم بين الأشخاص ومسؤوليتهم الجماعية؟ يؤدي المال دور الدافع والمرآة في آن واحد؛ فهو لا يصنع الفساد من العدم، بل يكشف ما كان هشاً منذ البداية. ولا تُقدم الصراعات الداخلية للمحققين بوصفها انهيارات أخلاقية مفاجئة، بل كتراكم من التبريرات المبنية على سنوات من التعايش مع المناطق الرمادية داخل النظام.

يشير الفيلم إلى أن الفشل المؤسسي نادراً ما يكون نتاج فعل شرير منفرد، بل حصيلة سلسلة من الخيارات التي تبدو مبررة في لحظتها. فلا تُصوَّر الشرطة في “التمزق” كقوة بطولية مطلقة ولا كجهاز قمعي متوحش، بل كهيكل يسمح باتساع المساحات الرمادية إلى أن تصبح السمة الغالبة له.

على المستوى الإخراجي، يحافظ جو كارنهان (Joe Carnahan) على قدر كبير من ضبط النفس، متجنباً حركات الكاميرا الاستعراضية. يثبت اللقطة في كثير من المشاهد، ليقرب المتفرج من الشخصيات ويعزز شعوره بعدم الارتياح، فيما تطول لحظات الصمت بما يكفي لتحويل التوتر إلى عنصر سردي قائم بذاته.

ويتميز السيناريو بذكاء واضح في تقديم المعنى الضمني على حساب الشرح المباشر. الحوار مقتصد، والقرارات المصيرية تأتي أحياناً بشكل عفوي، في إشارة إلى سهولة تجاوز الحدود الأخلاقية حين يغيب الرقيب. أما المونتاج، فيحافظ على إيقاع متماسك يعكس التآكل التدريجي للثقة.

ويعتمد الفيلم على الضوضاء المحيطة والموسيقى التصويرية الهادئة لتعزيز الإحساس بالواقعية، في تلميح إلى أن هذه القصة ليست استثناء، بل نموذج قابل للتكرار، يمكن أن ينكشف في أي مكان، وفي أي وقت، داخل أطر مؤسسية مشابهة.

الصديقان مات دايمون وبن أفليك

يضفي الأداء مصداقية على الفيلم، حيث يقدم الممثلان الرئيسيان مات دايمون (Matt Damon) وبن أفليك (Ben Affleck)، وهما من أبرز نجوم السينما الأميركية، طاقات متباينة تعكس ردود فعل مختلفة تجاه الضغوط الأخلاقية. يميل أحدهما إلى الحذر، والآخر إلى المخاطرة والتبرير.

على الرغم من أن فيلم “التمزق” يقدم نفسه بنجاح كفيلم إثارة وجريمة، فإن دلالته الأعمق تكمن فيما يشير إليه بشأن المؤسسات الأميركية المعاصرة. لا يصور الفيلم الفساد كظاهرة شاذة، بل يقدمه كنتيجة لأنظمة تكافئ النتائج والولاء على حساب الشفافية.

ويجسد العمل حالة ثقافية أوسع نطاقًا، تشكلت بفعل انعدام ثقة الجمهور في أجهزة إنفاذ القانون والقيادة السياسية وسلطة الشركات. يترك صناع العمل المشاهد أمام دلالات مقلقة، إذ إنه عندما تعتمد المؤسسات بإفراط على الأعراف غير الرسمية والاتفاقات الضمنية، يصبح الانهيار مسألة وقت.

يبرز فيلم “التمزق” كعمل متقن ومدروس، ولا يعيد ابتكار هذا النوع السينمائي، وإنما يحسنه، ويكشف كيف يمكن إعادة توظيف الأفكار المألوفة لتعكس مخاوف العصر. وهو عمل عن التآكل، تآكل الثقة، والشراكة، والإيمان بنزاهة المؤسسات. ومن خلال تصوير الفساد كعملية تدريجية، يجسد الفيلم مخاوف العصر الحديث، فالأنظمة الحديثة لا تنهار فجأة، بل ببطء، ومن خلال خيارات بدت في يوم من الأيام منطقية.