Published On 19/1/202619/1/2026
|
آخر تحديث: 11:50 (توقيت مكة)آخر تحديث: 11:50 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
في غضون سنوات قليلة، تبدل المشهد العالمي بشكل جذري، فالممرات التي كانت تضج بالموظفين ببدلاتهم الرسمية، أفسحت مكانا لجيل جديد يجلس خلف شاشات “إل إي دي” وميكروفونات العزل، حاملا لقب “صانع محتوى”.
ولم تعد هذه الكلمة تعني مجرد ممارسة هواية في أوقات الفراغ، بل أصبحت حجر الزاوية فيما يعرف بـ “اقتصاد المبدعين” (Creator Economy)، وهو قطاع تحول إلى قاطرة اقتصادية تقود أسواق المال الرقمية، لكنه في الوقت ذاته، يخفي خلف بريقه تحديات وجودية تجعل منه مهنة “على كف عفريت”.
لم تعد المنافسة بين مبدع وآخر، بل بين من يسخر أدوات الذكاء الاصطناعي لمضاعفة إنتاجيته (غيتي) من العفوية إلى الصناعة
بدأت القصة بعفوية مطلقة، شاب يصور رحلته، أو فتاة تشارك وصفة طعام. لكن تحولت هذه العفوية إلى “هندسة إنتاجية”. وتشير التقديرات الاقتصادية لهذا العام إلى أن حجم سوق صناعة المحتوى تجاوز حاجز 300 مليار دولار عالميا، فلم يعد المبدع فردا، بل أصبح “مؤسسة مصغرة”.
هذا التحول لم يكن ليحدث لولا التطور المذهل في البنية التحتية الرقمية.، فدخول تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العملية الإبداعية سمح للمبدع الفرد بإنتاج ما كان يتطلب استوديو كاملا قبل 5 سنوات. أما اليوم، فنرى مبدعين يستخدمون “توائم رقمية” (Digital Twins) قادرة على تقديم المحتوى بـ20 لغة مختلفة في آن واحد، مما كسر حاجز الجغرافيا وحول الهواية المحلية إلى استثمار عالمي عابر للقارات.
الاستقرار في اقتصاد المبدعين ليس رهنا بكثرة المتابعين، بل بالقدرة على تنويع مصادر الدخل وبناء بنية تحتية تقنية (غيتي)عصر “السيادة الرقمية”
تكمن المهنية في صناعة المحتوى اليوم في القدرة على إدارة “البيانات الضخمة”، فالمبدع المستقر هو من توقف عن ملاحقة “الترند” العابر، وبدأ في بناء “نظامه البيئي الخاص”. حيث نشهد حاليا موجة نزوح جماعي من الاعتماد الكلي على المنصات المركزية مثل “تيك توك” (TikTok) و”يوتيوب” (YouTube) نحو حلول الويب 3.0 (Web 3.0).
والاحترافية الآن تعني امتلاك المبدع لقاعدته الجماهيرية عبر القوائم البريدية، وتطبيقاته الخاصة، والعقود الذكية التي تضمن له حقوق الملكية الفكرية دون وسيط. وهذا التحول التقني هو ما نقل الصناعة من “هواية” تنتظر صدقات الإعلانات، إلى “مهنة” تعتمد على الاشتراكات المباشرة والتمويل الجماعي وبيع الأصول الرقمية “إن إف تيز” (NFTs) كبطاقات عضوية تمنح المعجبين مزايا حصرية.
صناعة المحتوى انتقلت من “هواية” إلى “مهنة” (غيتي) تحديات الاستقرار
رغم هذا الصعود الصاروخي، تظل صناعة المحتوى مهنة محفوفة بالمخاطر، وهي أبعد ما تكون عن مفهوم “الوظيفة المضمونة” بمفهومها التقليدي. وتتجلى هذه المخاطر في 3 محاور رئيسية:
1. دكتاتورية الخوارزمية: لا يزال صانع المحتوى يعيش تحت رحمة “كود برمجي” غامض، وفي ليلة وضحاها، يمكن لتغيير طفيف في خوارزمية المنصة أن يقضي على وصول المحتوى لـ80% من الجمهور، مما يعني توقف الدخل فورا، وهذا الارتباط المصيري بالآلة يخلق حالة من انعدام الأمان الوظيفي المزمن.
2. الاحتراق الرقمي (Digital Burnout): على عكس الوظائف التقليدية التي تنتهي بانتهاء الدوام، فإن صناعة المحتوى مهنة تعمل على مدار الساعة، مع وجود الضغط لإنتاج محتوى متجدد، والتعامل مع التعليقات السلبية، وملاحقة التحديثات التقنية، هذا الأمر أدى إلى ارتفاع معدلات الاحتراق النفسي بين المبدعين في عامي 2025 و 2026 إلى مستويات قياسية حسبما تشير الدراسات، وأصبح “الغياب” رفاهية لا يملكها المبدع، خوفا من أن تطويه ذاكرة الخوارزمية الرقمية.
3. غياب المظلة القانونية والاجتماعية: حتى هذه اللحظة، لا يزال التشريع القانوني يلهث خلف التطور التقني، حيث يفتقر معظم صناع المحتوى إلى التأمين الصحي، وصناديق التقاعد، وحماية حقوق العمل، فالمبدع هو المدير والمحاسب والمصور والمسوق، وإذا توقف عن العمل لمرض أو ظرف طارئ، توقفت “الشركة” بأكملها عن الدوران.
لسنوات كان المبدعون رهائن لسياسات المنصات التي تقتطع جزءا كبيرا من أرباحهم (غيتي) مأسسة الإبداع
ما نراه اليوم في قطاع صناعة المحتوى هو بداية “مأسسة”، حيث بدأت دول عديدة، ومنها دول عربية، في وضع أطر تنظيمية تمنح صناع المحتوى “رخصا مهنية” تعاملهم بناء عليها كشركات صغيرة ومتوسطة، وهذا الاعتراف القانوني هو الجسر الذي سيعبر بالصناعة من ضفة الهواية القلقة إلى ضفة المهنة المستقرة.
كما بدأ التوجه نحو “نقابات رقمية” تجمع المبدعين لتوفير حماية جماعية، وتفاوض المنصات الكبرى ككتلة واحدة وليس كأفراد مشتتين، وهذا التطور النقابي والتشريعي هو الأمل الوحيد لتحويل هذا القطاع من “غابة رقمية” إلى “سوق عمل منظم”.
و يمكن القول إن صناعة المحتوى هي اختبار حقيقي لقدرة الإنسان على التكيف مع الآلة، وهي مهنة تمنح حرية لا سقف لها، لكنها تطلب في المقابل انضباطا حديديا وعقلا تقنيا لا يهدأ، ومن يظن أنها مجرد “شهرة وكاميرا” سيجد نفسه خارج اللعبة سريعا، أما من يتعامل معها كعلم يعتمد على تحليل البيانات واستخدام الذكاء الاصطناعي وبناء الملكية المستقلة، فهو من سيحجز مقعده في قطار الاقتصاد الجديد.
