
نايف عازار
نداء الوطن
حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعبيد طريق الانتقال الفعليّ إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة لوقف إطلاق النار، بإعلانه تشكيلة “مجلس السلام”، الذي يترأسه بنفسه، ويُفترض أن يشرف على إدارة القطاع المنكوب ولجنته التنفيذية، التي ضمّت دولًا من بينها تركيا وقطر، وهو أمر أثار حفيظة صناع القرار في تل أبيب، نظرًا للعلاقات الوطيدة التي تربط الدولتين بحركة “حماس”. وقد وصل الأمر ببعض وسائل الإعلام الإسرائيلية حدّ وصف الأمر بأنه مكافأة للحركة.
بيد أن زفّ قاطن البيت الأبيض بشرى رؤية مولوده “مجلس السلام” النور، أتى مغلّفًا بضبابية شديدة، كون طريقة عمل “المجلس” غير واضحة المعالم حتى الآن، كما علاقته بلجنته التنفيذية، فضلًا عن علاقة اللجنة بلجنة التكنوقراط الفلسطينية، التي يُنتظر أن تدير القطاع على أرض الواقع، ويرأسها “الوسطي” علي شعث، نائب وزير التخطيط الفلسطيني الأسبق في السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
لا ريب في أن طريق “مجلس السلام” وُضعت تحت اختبار قاسٍ، ولن تكون مفروشة بالورود كما يأمل الرئيس الأميركي، بل يُنتظر أن يواجه “مولود ترامب” ضغوطًا مهولة، خصوصًا من جانب الدولة العبرية، لأن رأس الحكومة الإسرائيلية اليمينية بنيامين نتنياهو اعتبر أنه “أُخذ على حين غِرّة” في تشكيل “المجلس” ولجنته التنفيذية التي ضمّت أنقرة والدوحة، وهو في هذه الحال سيتملّص لا محالة من المرحلة الثانية، رادًّا السبب الرئيسي في ذلك إلى انطلاقها من دون نزع سلاح “حماس” بالكامل، أو ما تبقى منه.
أكثر من ذلك، لن يكتفي نتنياهو بـ “وضع العصي في دواليب المجلس” فقط، بذريعة عدم نزع آخر بندقية من يد “حماس”، بل سيتخذ من “أحجية” سلاح الحركة، عنوانًا عريضًا لمواصلة تقسيم القطاع، وإبقاء مناطقه السكانية المكتظة مقطّعة الأوصال، تمهيدًا لـ “تأبيد” سيطرة إسرائيل على القطاع، وتحويله إلى صورة مصغرة عن الضفة الغربية المفتتة، والمقسّمة إلى مناطق تخضع بسوادها الأعظم أمنيًا وإداريًا للسلطات العبرية. وهنا، يتخوّف الغزيون من لجوء الدولة اليهودية مجدّدًا إلى إقامة مستوطنات جديدة في أماكن سيطرتها الواسعة في القطاع المدمّر، والذي يكاد يمّحى عن الخريطة الفلسطينية، خصوصًا في ظلّ وجود صقور اليمين الإسرائيلي المتزمّتين في الحكم، الداعين إلى ضمّ الضفة وإقامة مستوطنات في القطاع.
يعتبر المراقبون أن “مجلس السلام” الذي يرأسه قائد سفينة “العمّ سام”، ربما يؤمّن الحدّ الأدنى من التوازن، كون أركانه منتقين بعناية، لكنهم يتوجّسون في الوقت عينه من أن يشكل عددهم الكبير وتعدّد آرائهم وتباينها ربّما، نوعًا من التعطيل. وبالتالي أمسى المشهد الحالي للمرحلة الثانية في القطاع محكومًا بمسارات عدّة، أبرزها:
– حركة “حماس” تواصل تعنتها، فهي لا تزال تمسك بسلاحها وتتمسّك به ويدها على الزناد، من جهة لمحاولة اصطياد جنود إسرائيليين يسرحون ويمرحون في القطاع، ومن جهة ثانية لإحكام ما تبقى من قبضة لها على الغزيين البؤساء في مناطق سيطرتها الضيقة، وبالتالي فرض نفسها لاعبًا أساسيًا في أيّ تركيبة سياسية فلسطينية.
– إسرائيل تواصل مكابرتها وترفض الانسحاب من القطاع طالما بقي سلاح في يد عناصر “حماس”، وتمضي في خرقها اتفاق وقف إطلاق النار وفي قصفها غزة حاصدةً أرواح مزيد من الفلسطينيين.
– الإدارة الأميركية “الترامبية” أطلقت صافرة انطلاق المرحلة الثانية في غزة، وبدأت تعدّ العدّة لاستيلاد حكومة انتقالية، رغم المعوقات الحمساوية والإسرائيلية المذكورة آنفًا.
بعض الإعلام العبري أبرز التباين الذي طفا على سطح التطوّرات بين “بيبي” وراعيه ترامب، بعدما فرض الأخير إيقاعه في تشكيلة “مجلس السلام”. الكاتبة في صحيفة “هآرتس” ليزا روزفسكي اعتبرت أنه في توقيت يعكس لامبالاة كاملة إزاء إسرائيل، أو جدول أعمال رئيس وزرائها، نشر البيت الأبيض تشكيلة الهيئات التنفيذية لـ “مجلس السلام” الذي أنشأه لغزة، والذي من المفترض أن يتولّى إدارة القطاع. أضافت روزفسكي أن مكتب نتنياهو أصدر ردّة فعل متأخرة واستثنائية للغاية. فللمرّة الأولى وبصورة علنية، أعلن رئيس الوزراء أن العلاقة بين موقفه وموقف صديقه وراعيه دونالد ترامب لا تشوبها التصدّعات فحسب، بل تفصل بينهما هوّة عميقة، إلى حدّ الاحتجاج الرسميّ، العلني والصاخب، على تركيبة اللجنة الإدارية، كما يبدو أن خطوة البيت الأبيض أربكت نتنياهو وفاجأته، وهو غير مستعدّ، نفسيًا وإعلاميًا لها. وجزمت الكاتبة بأن قطار ترامب انطلق بسرعة، ولم يتبق لنتنياهو سوى التلويح له من على الرصيف.
في المقابل، أفادت هيئة البث الرسمية الإسرائيلية “كان”، بأنه خلافًا لبيان مكتب نتنياهو، كانت إسرائيل على دراية بتركيبة اللجنة المنبثقة من “مجلس السلام” في غزة، وحاولت التأثير بهويّة أعضائها من دون أن تفلح. وطبقًا لما نقلته “كان” عن مصدر في اللجنة الإدارية، فإن الاعتراض الإسرائيلي هو على الهيئة الاستشارية لـ “مجلس السلام” الذي يرأسه الرئيس الأميركي، وتضمّ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والقطري علي الذوادي، مع العلم أنها لن تتخذ قرارات بشكل مستقلّ.
