خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أمن أوروبا ـ قمة بروكسل 2026، “غرينلاند” لحظة محورية في العلاقات عبر الأطلسي
يجتمع رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في بروكسل في 22 يناير 2026 لعقد قمة خاصة بشأن النزاع في غرينلاند. وسيناقشون الردود المحتملة على تهديدات ترامب الأخيرة بفرض تعريفات جمركية. ويهدف الرئيس الأمريكي إلى كسر معارضة بيع غرينلاند، التي تُعد جزءًا من الدنمارك، إلى الولايات المتحدة. ويدرس الاتحاد الأوروبي فرض تعريفات جمركية انتقامية، من بين تدابير أخرى، في حال دخول التعريفات الأمريكية حيز التنفيذ.
ضرورة “الوحدة والسرعة والحسم”
أصبح الصراع في غرينلاند لحظة محورية في العلاقات عبر الأطلسي، وهي تُهيئ الاتحاد لأوقات عصيبة قادمة. ترى رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن العلاقات عبر الأطلسي تمر بمرحلة حرجة بسبب النزاع في غرينلاند. وتابعت فون دير لاين أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ في 21 يناير 2026: “نحن على مفترق طرق”. وتفضل أوروبا الحوار والحلول، لكنها على أتم الاستعداد للتحرك إذا لزم الأمر. وشددت فون دير لاين على ضرورة “الوحدة والسرعة والحسم”. إن فرض الرسوم الجمركية الإضافية على الحلفاء الأوروبيين، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمرٌ خاطئ تمامًا. فإذا ما انزلق التحالف الآن إلى دوامة هبوط خطيرة، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى تشجيع هؤلاء الخصوم الذين يسعى التحالف بوضوح إلى إبعادهم عن الساحة الاستراتيجية.
أوضحت فون دير لاين فيما يتعلق بغرينلاند أن الجزيرة ليست مجرد منطقة غنية بالمواد الخام الحيوية وموقع استراتيجي على طرق الشحن العالمية المتزايدة الأهمية، بل هي قبل كل شيء موطن لشعب حر ذي سيادة. وأكدت قائلة: “إنها أمة ذات سيادة وحق في سلامة أراضيها، والشعب الغرينلاندي وحده هو من سيقرر مستقبل غرينلاند”، في إشارة إلى مطالبات الولايات المتحدة بالجزيرة.
التغيير يحمل معه مخاطر كثيرة
حذرت فون دير لاين أعضاء البرلمان من أوقات عصيبة قادمة، قائلة: “إن هذه اللحظة من التغيير العالمي تنطوي على مخاطر جمة، يجب على أوروبا الآن أن تكون مستعدة للتغيير بوتيرة أسرع، وأن تصبح أكثر استقلالية، لضمان مستقبلها”. وأضافت: “لن يكون هذا بالأمر الهين، سيتعين اتخاذ قرارات صعبة، وسيتعين النظر إلى جميع الإجراءات في سياق أوسع”. ألقى رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، كلمة أمام الجلسة العامة، مشيرًا إلى تحديات جيوسياسية هائلة. وانتقد تآكل النظام الدولي القائم على القواعد، والتشكيك في التحالفات الرئيسية.
وأكد رئيس المجلس الأوروبي في ستراسبورغ: “لكن الاتحاد الأوروبي سيخرج من كل هذا أقوى وأكثر مرونة وسيادة. لا يمكننا قبول أن يُوضع قانون الأقوى فوق حقوق الأضعف”. وأضاف رئيس المجلس الأوروبي: “أن التحالفات لا ينبغي اختزالها إلى مجرد سلسلة من المعاملات. والاتحاد الأوروبي مستعد للدفاع عن نفسه ضد أي شكل من أشكال الإكراه، ولديه الأدوات اللازمة. وسيستمر الحوار البنّاء مع الولايات المتحدة”.
مخاوف أوروبية بشأن حلف الناتو
أثارت خطط الولايات المتحدة لتقليص عدد الموظفين بشكل كبير في العديد من مراكز القيادة الرئيسية لحلف الناتو المخاوف الأوروبية من انهيار الحلف. وأفاد ثلاثة أشخاص مطلعين على الأمر لوكالة رويترز أنه سيتم إلغاء حوالي 200 وظيفة في مجال التخطيط العسكري والاستخباراتي. ومن بين الجهات المتأثرة مركز دمج المعلومات الاستخباراتية التابع لحلف الناتو في المملكة المتحدة، وقيادة قوات العمليات الخاصة المتحالفة في بروكسل. أبلغت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالفعل العديد من الشركاء الأوروبيين بهذه الخطط. ووفقًا لمصادر مطلعة، سيؤدي ذلك إلى خفض عدد الأفراد الأمريكيين في الوحدات المتضررة إلى النصف تقريبًا. أفاد ممثلٌ لحلف الناتو، رداً على استفسار، بأن التغييرات في مستويات القوات الأمريكية ليست بالأمر غير المعتاد. كما أن الوجود الأمريكي في أوروبا أعلى مما كان عليه منذ سنوات.
النتائج
تشير التطورات المتعلقة بغرينلاند وخطط الولايات المتحدة لتقليص عدد الموظفين في مراكز قيادة الناتو إلى فترة حرجة في العلاقات عبر الأطلسي، وتضع الاتحاد الأوروبي أمام تحديات استراتيجية متعددة الأبعاد. تمثل قمة الاتحاد الأوروبي المقررة في 22 يناير 2026 لحظة حاسمة لاتخاذ موقف موحد تجاه تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب بفرض تعريفات جمركية، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد إلى توتر أوسع يؤثر على الاستقرار الأوروبي والسياسة الدولية.
تسعى أوروبا، وفق أورسولا فون دير لاين، إلى تحقيق التوازن بين الحوار والجاهزية للتحرك إذا اقتضت الضرورة، مع التركيز على الوحدة والسرعة والحسم. هذه المواقف تؤكد أن الاتحاد الأوروبي ينظر إلى غرينلاند ليس فقط كمنطقة استراتيجية غنية بالموارد، بل كموطن لشعب ذي سيادة، وبالتالي أي تحرك يجب أن يحترم حقوق السكان المحليين ويعكس التزامات الاتحاد بالقانون الدولي.
تثير خطط خفض عدد الموظفين الأمريكيين في مراكز الناتو القيادية قلق الشركاء الأوروبيين بشأن قدرة الحلف على الحفاظ على الجاهزية والدفاع المشترك. على الرغم من أن ممثل الناتو أكد أن التغييرات في مستويات القوات الأمريكية ليست بالأمر غير المعتاد، فإن هذه الخطط تطرح أسئلة حول الاستقرار الطويل الأمد للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وتزيد الحاجة الأوروبية لتقييم دورها المستقبلي في الدفاع المشترك وتعزيز استقلاليتها الاستراتيجية.
يتضح أن الاتحاد الأوروبي يقف أمام مرحلة مفصلية تتطلب منه تعزيز قدراته الذاتية، وتطوير أدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي، مع الحفاظ على قنوات الحوار البنّاء مع واشنطن. كما يشير الوضع إلى أن أوروبا بحاجة إلى صياغة سياسات متكاملة توازن بين الأمن العسكري، الاستقرار الاقتصادي، وحماية الحقوق السيادية للدول والأقاليم المعنية، لضمان استقرار طويل الأمد في وجه التحولات الجيوسياسية المتسارعة عبر الأطلسي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113948
