باريس لا تصفّق بسهولة. المدينة التي صنعت أساطير الموضة تعرف جيداً الفرق بين التطوّر والتشويش، وبين إعادة القراءة وإعادة الاستخدام. في عرض “ديور” (Dior) للرجال لخريف وشتاء 2026/2027، الذي قُدّم ضمن أسبوع الموضة الرجالية في باريس، بدا أن البيت العريق يقف عند مفترق طرق حسّاس: هل نحن أمام إعادة تعريف واعية للهوية، أم أمام اختبار جريء يضع الإرث في مواجهة العبث؟
بين التاريخ واللعب على الأطلال
العرض قدّم نفسه بوصفه حواراً مع التاريخ، مع إشارات إلى الثراء، الأريستقراطية، والذاكرة الثقافية الأوروبية. لكن هذه الإشارات لم تُطرح كطبقات متماسكة، بل كصور متراكمة بدت أحياناً مثقلة بذاتها.
بدلاً من استحضار الأرشيف بروح معاصرة، جرى تفكيكه إلى شظايا بصرية: عسكري، مسرحي، شبابي، أريستقراطي، شعبي… جميعها حاضرة في آنٍ واحد، من دون أن تنصهر في خطاب واحد واضح.




رجل ديور… هوية تبحث عن مرآتها
الرجل الذي تخيّله العرض بدا متردداً بين أدوار متعدّدة. هو ليس الأرستقراطي الكلاسيكي، ولا الشاب المتمرّد بوضوح، ولا حتى الشخصية المسرحية المكتملة.
القصّات من السترات القصيرة جداً إلى المعاطف الضخمة ذات الأكتاف المنتفخة حملت أفكاراً قوية نظرياً، لكنها في التطبيق بدت كأنها تختبر حدود الاحتمال أكثر مما تبني شخصيّة متماسكة.




السراويل التي تحاكي الملابس الداخلية الحرارية، والسترات التي تضغط الجسد بدل أن تنحته، طرحت سؤالاً مشروعاً: هل ما نشهده هو تحدٍ واعٍ لمفهوم الأناقة، أم تجاهل مقصود له؟


الخياطة… دقة تقنية بلا طمأنينة جمالية
لا يمكن إنكار الحرفية. التنفيذ متقن، الأقمشة فاخرة، والتفاصيل مدروسة من حيث الصناعة.
لكن الخياطة هنا، بدت كأنها تعمل ضد الجسد لا معه. الدقة التقنية لم تتحول دائماً إلى راحة بصرية، ولا إلى ذلك الشعور الذي لطالما ميّز ديور: التوازن بين القوة والسلاسة.




الإكسسوارات والرموز… المفهوم يطغى على المعنى
الأحذية ذات الأربطة، الحقائب اللينة، والسترات التي تحولت إلى عباءات، كلها عناصر بدت كأنها تبحث عن صدمة بصرية أكثر من بحثها عن دلالة مستدامة.
الرموز التاريخية من الإشارات العسكرية إلى اللمسات الإمبراطورية حضرت بكثافة، لكنها لم تُمنح الوقت الكافي لتتطور إلى لغة متماسكة.




عرض يثير الجدل… لكنه لا يحسم موقفه
عرض ديور للرجال هذا الموسم ليس فاشلاً، لكنه أيضاً ليس مطمئناً. هو عرض يثير النقاش أكثر مما يقدّم إجابات، ويضع المشاهد أمام تجربة مزدحمة بالأفكار، قليلة اللحظات الصامتة.
في بعض الإطلالات، كان بالإمكان رؤية شرارة رؤية جديدة. وفي إطلالات أخرى، بدا أن الفكرة غلبت الذوق، وأن الرغبة في كسر القواعد لم تُرافقها ضرورة فنية واضحة.




ديور، كدار، لا يحتاج إلى إثبات جرأته. تاريخه كافٍ. لكن هذا العرض يطرح سؤالاً دقيقاً: هل التجديد يعني بالضرورة هدم اللغة القديمة بالكامل؟
أم أن الأناقة الحقيقية تكمن في معرفة ما يجب الاحتفاظ به… وما يجب تركه بهدوء؟
عرض خريف وشتاء 2026/2027 سيُذكر طويلاً لأنه كشف عن لحظة توتر نادرة بين الإرث والتجريب داخل أحد أهم بيوت الأزياء في العالم.







