تنفّس قادة الاتحاد الأوروبي الصعداء بعد تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن موقفه بشأن جزيرة جرينلاند، وذلك خلال اجتماعهم في قمة طارئة عُقدت في بروكسل حيث أكدوا تضرر علاقات أوروبا بواشنطن رغم أهميتها البالغة.
واتفق الزعماء على عقد القمة مساء الخميس، قبل أن يتراجع ترمب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية أو حتى اللجوء إلى العمل العسكري لضم جرينلاند لكن تهديداته زعزعت ثقة أوروبا بشريكها بشكل كبير.
وفي وقت سابق الخميس، قال ترمب إنه ضَمِن وصول الولايات المتحدة بشكل كامل ودائم إلى جرينلاند في إطار اتفاق مستقبلي مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والذي قال أمينه العام مارك روته إنه “ينبغي للأعضاء تكثيف التزامهم بأمن القطب الشمالي لدرء التهديدات من روسيا والصين”.
وأضاف ترمب في مقابلة من دافوس على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي لـFox Business: “يجري التفاوض على تفاصيل الاتفاق الآن، لكنه في الأساس وصول كامل، لا توجد نهاية ولا يوجد حد زمني”.
“تصويت تمهيدي”
وقالت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا، الخميس، إنها تتوقع تصويتاً تمهيدياً على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة في الأيام القادمة، موضحة أنه “يمكننا الآن مواصلة المناقشات الداخلية بشأن الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة”.
وأضافت ميتسولا: “أظهرت أحداث هذا الأسبوع أمراً واحداً ملحاً: الحاجة إلى أوروبا أقوى وأكثر استقلالية، وعلى الرغم من أن الهدوء ساد، فإن موقفنا بشأن سيادة الدنمارك وجرينلاند وسلامة أراضيهما لم يتغير”.
وتابعت بالقول: “سيواصل البرلمان الأوروبي تقييم الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وستواصل بناء الجسور مع الكونجرس، لأن الشراكة القوية والاستراتيجية والعادلة – القائمة على الحوار والاحترام – هي في مصلحة الجميع”.
والأربعاء، أجّلت لجنة التجارة في البرلمان التصويت إلى أجل غير مسمّى، بحسب أشخاص مطلعين على القرار، ما يثير الشكوك حول ما إذا كان الاتفاق سيصل يوماً لمرحلته النهائية.
ونصّ الاتفاق التجاري الذي أبرمه التكتل مع واشنطن في يوليو الماضي على فرض رسوم بنسبة 15% على معظم السلع الأوروبية، مقابل تعهد بإلغاء جميع الرسوم على السلع الصناعية الأميركية وبعض المنتجات الزراعية.
وقد جرى تنفيذ الاتفاق جزئياً، لكنه لا يزال بحاجة إلى موافقة البرلمان لاستكماله بشكل نهائي.
ماكرون: الأمور هدأت
وتعليقاً على الفوضى التي سادت الأيام الماضية والتي شهدت توجيه ترمب تهديدات خطيرة لجرينلاند وأوروبا قبل أن يتراجع عنها، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: “الأمور تهدأ، وعلينا أن نرحّب بذلك”. وأضاف أن التوصل إلى اتفاق بات وشيكاً.
وأضاف ماكرون للصحافيين: “نبقى في غاية اليقظة والاستعداد لاستخدام الأدوات المتاحة لنا إذا ما وجدنا أنفسنا هدفاً للتهديدات مجدداً”، في إشارة إلى عقوبات تجارية مضادة كان التكتل يدرس استخدامها.
وأكد معظم القادة أن العلاقات مع الولايات المتحدة لا تزال أساسية للاتحاد الأوروبي وأنهم على استعداد لبذل قصارى جهدهم للحفاظ عليها، مع توقعهم في الوقت نفسه بذل جهد مماثل واحترام من واشنطن.
أوروبا ومجلس السلام
من جانبها، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس: “أوروبا غير مستعدة للتخلي عن 80 عاماً من العلاقات العابرة للأطلسي الجيدة بسبب خلافات… نحن مستعدون لاستثمار وقتنا وطاقتنا في هذه العلاقة”.
وقبيل الاجتماع الأوروبي، كانت كالاس قالت، إن القادة الأوروبيين قد ينضمون إلى “مجلس السلام” الذي اقترحه الرئيس الأميركي إذا اقتصر نطاق تركيزه على قطاع غزة.
وأوضحت: “نريد العمل من أجل السلام في الشرق الأوسط، ونريد أن يقتصر عمل مجلس السلام هذا على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كما كان متوقعاً”.
وأردفت بالقول: “لذا إذا اقتصر الأمر على غزة كما كان من المفترض أن يكون، فحينها يمكننا العمل على ذلك”.
لا مزيد من التهديدات
من جهتها، أبدت رئيسة الوزراء الدنمارك مته فريدريكسن استعدادها التام لمناقشة التعاون الأمني في جرينلاند مع الولايات المتحدة، شريطة احترام سيادتها.
وأضافت: “علينا العمل معاً باحترام متبادل دون تهديد بعضنا البعض”.
ولا تزال حكومات دول بالاتحاد قلقة من تغيير ترمب لرأيه مرة أخرى وهو رئيس تتسم سياساته بالتقلب ويُنظر إليه بشكل متزايد على أنه يلجأ للاستقواء وأن على أوروبا أن تتخذ من ذلك موقفاً.
وتركز الحكومات على الخروج بخطة أطول أمداً بشأن طريقة التعامل مع الولايات المتحدة في ظل الإدارة الحالية وربما الإدارات المقبلة أيضاً.
وقال دبلوماسي من الاتحاد الأوروبي “اتخذ ترمب خطوات لا رجعة فيها، وقد يفعل ذلك مرة أخرى. لا عودة إلى ما كان الوضع عليه”، مضيفاً أن التكتل بحاجة إلى الابتعاد عن اعتماده الكبير على الولايات المتحدة في العديد من المجالات.
وأضاف الدبلوماسي: “نحن بحاجة إلى محاولة إبقائه (ترمب) قريباً بينما نعمل على أن نصبح أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة. هذه عملية من المرجح أن تستغرق وقتاً طويلاً”.
نفوذ أميركي كبير
وبعد عقود من الاعتماد على واشنطن في مجال الدفاع ضمن حلف “الناتو”، يفتقر الاتحاد الأوروبي إلى القدرات في مجالات الاستخبارات والنقل والدفاع الصاروخي والإنتاج العسكري اللازمة للدفاع عن نفسه في مواجهة أي هجوم روسي محتمل. ويمنح ذلك الولايات المتحدة نفوذاً كبيراً.
كما تُعد الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري لأوروبا، ما يجعل الاتحاد الأوروبي عُرضة لسياسات ترمب المتعلقة بفرض الرسوم الجمركية لتقليص العجز التجاري الأميركي، ولتحقيق أهداف أخرى، كما في حالة جرينلاند.
ولا يزال مستوى رغبة الأوروبيين في الحفاظ على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وقدر ما تبقى لديهم من ثقة في واشنطن، من المسائل الرئيسية. وفي حين يؤكد الجميع ضرورة وحدة الأوروبيين وتوحيد موقفهم، تختلف الروابط التاريخية من بلد لآخر.
وقال الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا: “ما زلت أعتبر الولايات المتحدة أقرب أصدقائنا”. في المقابل، عبَّر زعماء آخرون عن موقف أكثر حذراً.
وقال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك: “من المهم… أن يفهم شركاؤنا في واشنطن الفرق بين الهيمنة والقيادة. القيادة أمر مقبول… أما الإكراه فليس أسلوباً جيداً”.
بينما قال مسؤولون إن الاتحاد الأوروبي كان مستعداً لفرض حزمة رسوم جمركية مضادة على واردات أميركية بقيمة 93 مليار يورو (108.74 مليار دولار) واتخاذ تدابير مناهضة للإكراه لو مضى ترمب قدماً في فرض رسومه الجمركية التي كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير.
وكان عضو البرلمان الأوروبي البارز بيرند لانج قال، الخميس، إن البرلمان بحاجة إلى توضيح بشأن خطط الولايات المتحدة المتعلقة بجرينلاند قبل استئناف مناقشة اتفاق التجارة.
وأضاف لانج، عضو الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني ورئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، لوكالة “رويترز”: “لا أحد يعلم ما هو هذا الحل المزعوم”.
وأردق بالقول: “نحتاج إلى موافقة صريحة من الدنمارك وجرينلاند. لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق بين طرفين”.
