“سماء بلا أرض” عن شابات أفريقيات يواجهن كراهية وعنفاً تونسيّين (الملف الصحافي)
بإعلان برنامج دورته الـ49 (23 يناير/كانون الثاني ـ 1 فبراير/شباط 2026)، يعزّز مهرجان غوتنبرغ السينمائي الدولي القناعة بأنه من المهرجانات التي تصارح جمهورها بواقعها، ويحيل ما يواجهه من مشكلات إلى نقاشات وأفكار، لها صلة بحال المهرجانات السينمائية في أكثر من مكان في العالم، وارتباط كل ذلك بواقع السينما وحالها وإنتاجها اليوم، في ظل نظرة سياسية شعبوية، ميّالة إلى تحجيم الفعلين الثقافي والإبداعي الرصينين.
في الابتكار والتجديد، يظلّ مهرجان غوتنبرغ متميّزاً. يتجلّى ذلك في برنامج “نظرة مُقرّبة”، وثيمتها المختارة لهذه الدورة: الحقيقة. الحقيقة السينمائية، منذ ظهور فن السينما، من بين أكثر الجوانب النظرية إثارة للنقاش والجدل، والمهرجان يدرك ذلك جيداً، وينوّه بأن تخصيص مهرجان سينمائي بموضوع الحقيقة لا يعني تقديم إجابات جاهزة، بل يسعى إلى خلق مساحة للفضول والتساؤل والتأمل المشترك. فالحقيقة نادراً ما تكون بسيطة، وربما تكون مزعجة ومتناقضة ومؤلمة، لكنها حقيقية.
يقدم “صوت هند رجب” للتونسية كوثر بن هنية (نظرة مُقرّبة) مثالاً على ما تعنيه الحقيقة السينمائية، وتقاربه مع أفلام أخرى، كالوثائقي “بابا والقذافي” للّيبية الأصل جيهان الكيخيا، و”الحقيقة أم التحدّي” للبلغارية تونيسلاف هريستوف. من المشاريع الطريفة المقترحة لإغناء البرنامج: “تذاكر الحقيقة”. يتمحور المشروع حول اختبار “كشف الكذب”، الذي يخضع له الراغب من الجمهور في الحصول على تذاكر مجانية، بإجابته عن أسئلة يطرحها عليه مُختص في هذا المجال. من يصدق، يُكافأ بتذكرة دخول عروض المهرجان مجاناً، فالتذكرة تُمنح فقط للّذين يقرّون بالحقيقة.
تحافظ الدورة الحالية على طابع المهرجان الشمالي، وتخصص كعادتها حيزاً أكبر للأفلام الجديدة المقبلة من الدول الإسكندنافية، في مسابقات مخصّصة بها ومنها. كل عام تقريباً، تظهر أعمالٌ مهمة، تأخذ طريقها إلى المهرجانات العالمية. جوائز مسابقة “التنين” لأفلام الشمال موزّعة على مسابقات. من بين الأكثر إقبالاً عليها جماهيرياً، هناك “مسابقة التنين لأفضل فيلم روائي من دول الشمال”، تتنافس فيها ثمانية أفلام، وتبلغ قيمة جائزة أفضل فيلم 50 ألف دولار أميركي، إضافة إلى جائزة أجود أداء تمثيلي.
في مسابقة “أفضل فيلم وثائقي من دول الشمال”، تتبارى ستة أفلام، عدد منها يهتمّ بموضوعات تخص قضايا وشعوب من قارات أخرى غير أوروبا. بينما تبقى جائزة “سفين نيكفيست” لأفضل تصوير من المتميزات بينها، لتخصيصها جائزة لمجال تقني، قلة من المهرجانات السينمائية تعيره الاهتمام المطلوب. في المسابقة الدولية، تختار الدورة أجمل وأهم المعروض في مهرجانات عالمية العام الفائت، من بينها “زنقة مالقة” للمغربية مريم توزاني، وفي مسابقة إنغمار بيرغمان للأعمال الأولى، يترقّب النقاد والجمهور عادة مفاجآتها.
عدا عناية الدورة الـ49 من مهرجان غوتنبرغ بأقسام أفلام سينما الشمال والأفلام السويدية القصيرة، يظل قسما “رؤى” و”رحلة” محطّ إقبال جماهيري، لضمهما أفلاماً من كل قارات العالم. توفر العروض فرصة نادرة للاطّلاع على أفلامها، ومقابلة صناعها في برامج مختلفة، يخطّط لها بشكل يجمع مشاهدة الأفلام في الصالات بمقابلتهم وجهاً لوجه، وطرح الأسئلة مباشرة عليهم في ندوات ومحاضرات مفتوحة للجميع. في القسمين، يظهر جلياً اهتمام المهرجان بالسينما العربية، كثرة مشاركة أفلام منها فيهما تعكس، أيضاً، رغبة جماهيرية في الاطلاع عليها، بيّنتها الدورات السابقة. صار تقليداً أن تحضر السينما العربية بعدد وافر من الأفلام والضيوف. في هذه الدورة، هناك “مع حسن في غزة”، وثائقي الفلسطيني كمال الجعفري، مُدرج في القسم الأول، وفي القسم الثاني تبرمج أغلبيتها: من السودان، فيلما “خرطوم”، وثائقي لأنس سعيد وراوية الحاج وإبراهيم سنوبي وتيميا محمد وفيل كوكس، و”ملكة القطن”، روائي سوزانا ميرغني.
إليهما، يضاف “سماء بلا أرض”، روائي التونسية أريج سحيري، و”ضعي روحكِ على كفّكِ وامشي”، المنضم إلى أفلام من فلسطين وعنها، توّثق فيه صانعته الإيرانية زبيدة فارسي حياة صبية فلسطينية في غزة، أثناء الهجوم الإسرائيلي على مدينتها، ومحاولتها نقل وقائعه المخيفة بكاميراتها إلى العالم. وعن حكاية فلسطينية، تنجز الأردنية شيرين دعيبس “اللي باقي منك”، بينما يُكمل روائي الأخوين الفلسطينيين طرزان، “كان يا ما كان في غزة”، الحضور الفلسطيني في غوتنبرغ. من لبنان، وانعكاساً لقلّة المُنتج العام الفائت، تكتفي الدورة بوثائقي لانا ضاهر “هل تحبّني؟”، بينما يمثّل العراقي “فلانة” لزهراء غندور خطوة متقدمة نحو وثائقيات، تحاول الذهاب إلى مناطق محرّمة، تتعلّق بحال المرأة العراقية، والأحكام الاجتماعية التي تأسرها، وتلغي وجودها في حالات، كالتي تتناولها غندور في منجزها، الذي استُقبل برضا نقدي مشهود.
كما يمنح مهرجان غوتنبرغ جائزته الشرفية للمخرجة البولندية أغنيشكا هولاند، لتصويرها “الصراعات الأخلاقية والسياسية في أوروبا بإرادة واعية”. والمهرجان يصفها بـ”متمرّدة ذات قضية”، أثارت غضباً واستياءً واسعين، بل واعتُقلت بسبب مواقفها وأفلامها.
