تحاول امرأة عبور الجسر فوق نهر الأردن، الذي كان يربط ضفته الغربية قبل أن يغزوها الاحتلال الإسرائيلي ويفصلها عن ضفته الشرقية، وهي تتسلّق الحطام وتمسك ببقاياه، مرعوبة من خطر الوقوع منه. مشهد يتكرّر في مسرحية “أنت منذ الأمس” للمخرج الأردني عبد السلام قبيلات، في عرضها الثاني أول أمس على خشبة مسرح الشمس بعمّان؛ صورة المرأة بوجهها الصغير المصفرّ تماماً كقشرة ليمونة دون رواء القشرة، ينظر الناس إليها بيأس ثم يتحولون عنها.

اليأس مفردة أساسية في مسرحة رواية الكاتب الأردني تيسير سبول “أنت منذ اليوم” التي شكّلت ردة فعل أولى على نكسة يونيو/ حزيران، حيث صدرت عام 1968، ونالت جائزة جريدة النهار اللبنانية. والمرأة هنا حلمٌ أو كابوس، لا تظهر في العمل إلا معادلاً للحرية والفضيلة والطهارة أو رمزاً لكل ما يضادها من صفات الخيانة والدنس والتلاعب، يهرب البطل عربي إليها ومنها، وهي تكثّف إحساسه بالانكسار والاغتراب وعبثية المصير. المرأة على الجسر التي تؤديها الممثلة حياة جابر، تقترب وتبتعد من نساء أخريات عرفهن بطل الرواية، عربي، فهي تمثيل لذروة الألم الذي حلّ بشعبه، مقابل غيرها من النساء كنّ سراباً لم يتحقق.

من العرض (مسرح الشمس)

وراء ذلك كلّه، كابوس لا يفارق ليالي البطل، يرى فيه أمّه تجلس ميتة بوجه شبحي في المقعد الخلفي لحافلة، فيصرخ منادياً عليها لكن الحافلة تختفي. تُسمع هذه الصرخات على الخشبة كلما أُعيدت رواية هذا الكابوس الذي يحيل إلى عدم قدرته على حماية أمه وإنقاذها عندما كانت تتعرض للتعنيف والضرب من والده، لكن تمثيلها يأخذ بعداً أعمق يدل على إنسان عارٍ أمام عجزه المطلق.

كنا وما زلنا

بين عنواني الرواية والمسرحية تلاعب شكلي بمفردتين، فاختلاف “اليوم” و”الأمس” تأكيد لاستمرارية الهزيمة، تسجّلها الرواية في الخامس من يونيو/ حزيران باعتباره تاريخ اعترافٍ بكل الهزائم السابقة منذ قرون، بينما تبين المسرحية أن الواقع لم يتغير حتى اليوم في مجتمع أبوي وأنظمة متسلطة وعدو يوغل في الشر. لكن رواية سبول تلقي حملها الأكبر على الاستبداد مؤسساً لكل خساراتنا وخيباتنا منذ ستينيات القرن الماضي، في مرحلة كانت الشعارات القومية تعلو فوق كل شعار، لكنها تترجم على الأرض عجزاً ومهانة، ما دفعه إلى الانتحار في الخامس عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 1973. مفارقة تفرض تساؤلاً عبثياً يليق بالرواية: ماذا لو بقي صاحبها على قيد الحياة وهو يرى الأنظمة ذات الشعارات القومية لحظة سقوطها؟! 

اليأس مفردة أساسية في مسرحة رواية الكاتب الأردني تيسير سبول

أما المسرحية، فهي تقف عند كل مسببات الهزيمة، لكنها تبحث عن خيارٍ يبدو أقل كلفة عبر تحميل العدو المسؤولية الكبرى، وهو ما يرسمه مشهد مؤثر أداه الممثل مصطفى أبو هنود، محاكياً هيئة موشيه دايان، وزير الدفاع الإسرائيلي خلال حرب 1967 بعينٍ واحدة، وهو يدخل المسرح فوق منصة تعلوها جمجمة يجلس أسفلها ويسكب عليه الدماء وسط ضحكات مجلجلة، والجمع حوله يرددون مقولة سبول في الرواية: “وكان بوسع الجنرال أن يُثري رباط عينه الأسود وأن يسخر من العيون السليمة ويقرّر بأن الأصل في العيون أن تكون عوراء. ولم يكن هناك صوت يناقشه..”. مشهدٌ يرمز إلى وحشية العدو التي قادت إلى جريمة إبادة كاملة في غزّة خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

موسيقى وتشتّت

لا إمكانية لدخول عالم المسرحية/ الرواية من دون حواس مشبعة بما يحاصرنا من تساؤلات ملحة وقاسية تجاه واقع مأزوم، لذلك اختار المخرج سينوغرافيا تعتمد على وجود أسرّة ثلاثة؛ النائمون فوقها غارقون في كوابيسهم، وكلما صحوا تلا أحد الممثلين مقتطفات منتقاة من الرواية، التي غرق بطلها في الحيرة والغموض وشرع في كتابة نصٍ غير متماسك يفسّر التاريخ قسراً، وهو ما عدّه النقاد تجريباً مهماً قبل نحو ستّة عقود. دوافع يلخصها بجملة واحدة ظلت تترّدد في المسرحية: “أكتبه لأنه يزعجني”؛ تزعجه الهزيمة التي لم يجد كلمة غيرها لينطقها، لكن بعد أن وقعت، حيث وعيه يدور حولها ويسائلها دون أن يواجهها على حقيقتها وحقيقته، حتى رأى عربات جيش بلاده المحطمة في العاشر من يونيو/ حزيران، والمواطنون الذين نزحوا عن أرضهم تحت القصف، استنطق اللفظة: “هزيمة. هذا ما هي”. وموسيقى العرض التي ألفها موسى قبيلات، تؤجج التوتر داخل مواطن/ متفرج مهزوم يتعلّق أحياناً بجملة نغمية تستبطن شعوراً بالسكينة، لكنها مجرّد تجلٍّ للوهن والتعب قبل الانهيار الأخير.

من العرض (مسرح الشمس)

طالت مدة العرض، ما أظهر بعض التقطع في بنية العمل الذي كان بحاجة إلى إيقاع سردي منتظم، وكان يمكن تكثيفه في وقت أقل وضبط اللغة لدى جميع الممثلين، ومنهم بكر خوالدة وثامر الخوالدة، أو تقديمها بلغة بيضاء أو دارجة درءاً للوقوع في الأخطاء اللغوية. كذلك طال بعض التشتت في بنية العرض خلال بعض المشاهد، لكن المخرج استطاع لملمة أغلبيتها عبر تمثّل كوابيس المهزوم، وإمساكه جذور الهزيمة التي أثثت النص، رغم إبقائه الأسئلة ذاتها التي طرحها مفكرون وكتّاب وفنانون عرب بعد عام 1967، ومنهم سبول في روايته، حول أسباب هزيمتنا؛ إن كانت داخلية تخصّ القمع وغياب العدالة أو خارجية تتعلق بتفوق العدو المدعوم من قوى استعمارية.