بيروت – طلب صندوق النقد الدولي إدخال تعديلات على مشروع القانون المثير للجدل الذي طرحته الحكومة اللبنانية للإنقاذ المالي وإخراج البلد من أسوأ أزمة يشهدها على الإطلاق وإتاحة الفرصة للمودعين للوصول إلى مدخراتهم المجمدة منذ ست سنوات.
ويُنظر إلى القانون على أنه “شرعنة لسرقة العمر”، حيث يقترح شطب جزء كبير من الودائع التي تتجاوز سقفاً معيناً (مثلاً 100 ألف دولار)، وتحويل الباقي إلى ليرة لبنانية بأسعار صرف غير عادلة أو سندات طويلة الأجل.
ويرى “النقد الدولي” أن الوعود الحكومية بإعادة كل المدخرات عبر “صندوق استرداد الودائع” وهمية وغير واقعية حسابياً، باعتبار أن إيرادات الدولة لا تكفي لتغطية فجوة تتجاوز 70 مليار دولار، ويطالب بشفافية أكبر في إبلاغ المواطنين بالحقيقة.
ويرفض الصندوق استخدام أصول الدولة لسداد ديون المصارف، معتبراً أن هذه الأصول ملك للأجيال القادمة ويجب أن تُستخدم للتنمية لا لإطفاء خسائر ناتجة عن سوء إدارة مالية.
وتطالب المصارف وبعض القوى السياسية بإنشاء صندوق سيادي تديره جهات خاصة لاستثمار أملاك الدولة وسداد الودائع، وهو ما يراه الصندوق “هروباً للأمام” وتأخيراً للإصلاح الهيكلي المطلوب.
ويحدد قانون “الفجوة المالية”، وهو جزء من سلسلة من تدابير الإصلاح التي طلبها صندوق النقد الدولي لتقديم التمويل، كيفية توزيع الخسائر المالية الناجمة عن الانهيار المالي في لبنان عام 2019 بين الدولة والمصرف المركزي والبنوك التجارية والمودعين.
وقال رئيس الحكومة نواف سلام إن “النقد الدولي يرغب في قواعد أكثر وضوحا بشأن التسلسل الهرمي للمطالبات، وهو عنصر أساسي في مشروع القانون”.
وأضاف في مقابلة خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس الجبلي بسويسرا “نريد التعامل مع صندوق النقد الدولي. نريد التحسين. هذا مشروع قانون”، مضيفا “أرادوا أن يكون التسلسل الهرمي للمطالبات أكثر وضوحا. والمحادثات كلها إيجابية”.
وفي عام 2022، قدرت الحكومة الخسائر الناجمة عن الأزمة المالية بنحو 70 مليار دولار، وهو رقم يتوقع المحللون وخبراء الاقتصاد أن يكون الآن أعلى من ذلك.
وشدد سلام على أن لبنان لا يزال يسعى للحصول على برنامج صندوق النقد الدولي الذي طال تأجيله، لكنه حذر من أن الوقت يمر بسرعة، لافتا إلى أن الدولة وُضعت بالفعل على “قائمة رمادية” مالية وتواجه خطر الإدراج على “القائمة السوداء” إذا تعثرت الإصلاحات أكثر من ذلك.
وقال إن “الضغط الدولي حقيقي… كلما تأخرنا أكثر يزداد تبخر أموال الناس”. ويخضع مشروع القانون الذي أقرته حكومة سلام في ديسمبر/كانون الأول للمراجعة البرلمانية. ويهدف إلى منح المودعين سبيلا مضمونا لاستعادة أموالهم واستئناف الإقراض المصرفي وإنهاء الأزمة المالية التي أدت إلى تجميد ما يقرب من مليون حساب وحطمت الثقة في النظام المصرفي.
ومن شأن التشريع المقترح أن يؤدي لتسديد ما يصل إلى 100 ألف دولار للمودعين على مدى أربع سنوات، بدءا بالحسابات الصغيرة، مع إطلاق عمليات تدقيق جنائي لتحديد الخسائر والمسؤولية.
وقال وزير المالية ياسين جابر، الذي يقود حملة الإصلاح مع سلام، لرويترز إنه “من الضروري إنقاذ النظام المصرفي المتداعي ومنع البلاد من الانزلاق أكثر إلى اقتصاد مشلول يعتمد على النقد فقط”.
وأضاف أن الهدف هو منح المودعين الوضوح بعد سنوات من الضبابية والقضاء على منظومة أصابت مكانة لبنان الدولية بالشلل. ووصف مشروع القانون بأنه جزء من عملية إصلاح أوسع نطاقا، وهي تمثل المرة الأولى التي تتعامل فيها الحكومة اللبنانية مع انهيار مشترك للقطاع المصرفي والمصرف المركزي وخزينة الدولة.
وتعطلت الإصلاحات المالية مرارا بفعل أصحاب المصالح السياسية والخاصة على مدى السنوات الست الماضية، وقال جابر إن المسؤولية تقع الآن على عاتق المشرعين، مضيفا أن عدم التصرف سيجعل لبنان عالقا في “نفق عميق ومظلم” دون أي طريق للعودة إلى نظام فعال.
وتابع “أصبح لبنان اقتصادا يعتمد على النقد، والسؤال الحقيقي هو ما إذا كنا نريد البقاء في القائمة الرمادية أو نسير بلا وعي إلى القائمة السوداء”.
