بعد تفكيك الأفكار الشائعة الخاطئة حول عسر القراءة، تبقى خطوة أكثر إقناعًا: رؤية نماذج حيّة تؤكد أن الصعوبة لا تعني عجزًا.

    فالديسلكسيا ليست نقصًا في الذكاء ولا “كسلًا” في التعلّم، بل طريقة مختلفة يعالج بها الدماغ اللغة، وقد تدفع صاحبها إلى تطوير أساليب خاصة للحفظ، وتنظيم الأفكار، والتعلّم بالممارسة.

    لذلك ليس مستغربًا أن يطوّر كثيرون من المصابين به مهارات موازية في الخيال وربط الأفكار والتعلّم بالتجربة.

    للمزيد من التفاصيل عن عسر القراءة، يمكن الاطّلاع على الجزء الأول

    عسر القراءة.. حين يتحوّل التحدّي إلى إبداع

    في ما يلي، نماذج لمشاهير شُخِّصوا بعسر القراءة، ولم يمنعهم ذلك من النجاح في التمثيل والكتابة والإنتاج، بل تحوّل لدى بعضهم إلى دافعٍ لبناء طرقهم الخاصة في العمل والتعلّم.

    بيلي بوب ثورنتون

    يُعدّ الممثل الأميركي بيلي بوب ثورنتون من أبرز من تحدثوا علنًا عن تجربتهم مع عسر القراءة. ففي مقابلة مع مجلة “مينز جورنال” عام 2018، قال إنه كان يُصنَّف في المدرسة على أنه “غبي”، وإنه لم يجد من يشجعه، قبل أن يدرك لاحقًا أن عسر القراءة قد يصبح دافعًا لمحاولة تجاوز الصعوبة بدل الاستسلام لها.

    “كنتُ معروفًا في المدرسة بالغباء. لم يُشجعني أحدٌ حقًا. عسر القراءة يُحفّزك، لأنك تحاول التغلب عليه”.

    وفي حديث لموقع “باك ستيج”، أشار ثورنتون إلى أن طريقته المختلفة في رؤية الأشياء ساعدته أحيانًا في التمثيل؛ إذ يتعامل مع التفاصيل على شكل “أجزاء” ويلاحظ ما قد لا يلتقطه الآخرون بسرعة.

     “يرى الأشخاص المصابون بعسر القراءة الأشياء بشكل مختلف، وأنا أستطيع نوعًا ما القراءة السريعة، كما أرى الأشياء في أجزاء”.

    يعاني الممثل بيلي بوب ثورنتون من عسر قراءة حاد- غيتي

    ووبي غولدبرغ

    في طفولتها، وُوجهت الممثلة الأميركية ووبي غولدبرغ، كما يحدث لكثيرين قبل التشخيص، باتهامات “الكسل” لأن القراءة لم تكن سهلة عليها. لكن والدتها، بحسب ما روت، فهمت باكرًا أن ابنتها تفكر بطريقة مختلفة، فكان ذلك سندًا مهمًا.

    وفي حديثها إلى منظمة “تشايلد مايند” عام 2016، تحدثت غولدبرغ عن ذاكرة قوية وخيال واسع ساهما في نجاحها، وعن حلول عملية اعتمدتها لاحقًا: لحفظ النصوص تستعين بمن يقرأ لها، وللكتابة تعتمد على محرر يساعدها في الصياغة.

    كما قالت لموقع “إنكلوديد” إن دماغها “يرتب المعلومات” بطريقة مختلفة، وأحيانًا أكثر إثارة للاهتمام من الطريقة المعتادة.

    سلمى حايك

    تتحدث سلمى حايك بدورها بصراحة عن اختلافاتها في التعلّم. ففي مقابلة مع “ويب ميد” عام 2009، قالت إنها كانت سريعة الفهم، وربما لهذا السبب لم تُكتشف حالتها في المدرسة الثانوية رغم وجود صعوبات واضحة في القراءة.

    “أنا سريعة التعلم حقًا. لطالما كنت كذلك، وربما لهذا السبب لم يلاحظوا إصابتي بعسر القراءة في المدرسة الثانوية. كنت أقضي سنوات دون أن أدرس كثيرًا”.

    وتضيف حايك أن انتقالها إلى الولايات المتحدة جعل التحدّي أشد، إذ اضطرت إلى إعادة تعلّم الإنجليزية، وهو ما كشف صعوبة القراءة بصورة أوضح. ومع ذلك، ترى أن بطء القراءة عندها يقابله “رسوخ” أكبر في الفهم: قد تستغرق وقتًا أطول في قراءة النص، لكنها غالبًا لا تحتاج إلى العودة إليه مرات كثيرة.

    “بعض الناس يقرؤون بسرعة كبيرة، لكنك ستطرح عليهم أسئلة حول النص فينسونه. أما أنا، فأستغرق وقتًا طويلًا في قراءة النص، لكنني أقرأه مرة واحدة فقط”.

    أوكتافيا سبنسر

    تقول الممثلة وكاتبة كتب الأطفال الحائزة على جائزة الأوسكار أوكتافيا سبنسر في مقابلة مع مجلة “وين” إنها عاشت مع عسر القراءة منذ الطفولة وما زالت تعيش معه، مؤكدة أن ذلك لا يعني نقصًا في الذكاء.

    “كنتُ طفلة مصابة بعسر القراءة، والآن أنا بالغة مصابة به؛ هذا لا يعني بالضرورة أنني لستُ ذكية، بل يعني فقط أن دماغي يعمل بشكل مختلف”.

    عرفت الممثلة أوكتافيا سبنسر أنها مصابة بعسر القراءة منذ صغرها- غيتي

    وتشير إلى أن الدعم العائلي والمدرسي كان عاملًا حاسمًا في تحويل الصعوبة إلى مسار قابل للتكيّف والإنجاز.

    تشانينغ تاتوم

    نشأ الممثل والمنتج الأميركي تشانينغ تاتوم وهو يعاني من عُسر القراءة، وتلقى نصيحة قيّمة من والدته: “كن إسفنجة”.

    يقول إنه تعلّم أن يعوض صعوبات القراءة بالإنصات والتعلم من الآخرين، وأن بداياته كعارض أزياء كانت مدرسة عملية: يلتقط كل ما يراه مفيدًا من أي شخص يعرف شيئًا لا يعرفه.

    ومع ذلك، يقر بأن عسر القراءة ما زال يفرض عليه تحديات في بعض تفاصيل العمل.

    هنري وينكلر

    في حديثه مع قناة “سي بي إس” عام 2017، استذكر  الممثل هنري وينكلر أن والديه الألمانيين كانا يناديانه “دمّر هانك”، أي “الكلب الغبي” بالألمانية، وأنهما ومعلميه كانوا مقتنعين بأنه مجرد طالب كسول.

    إلا أن نجم مسلسل “أيام سعيدة” لم يدع هذا الأمر يثنيه. فشقّ طريقه إلى كلية الدراما في جامعة ييل، حيث وجد أن الأداء والارتجال أسهل عليه بكثير من التعامل مع النصوص المكتوبة بالطريقة التقليدية.

    عسر القراءة لا يختصر صاحبه؛ ما يختصره هو أن يجد طريقته الخاصة في التعلّم – وهذا وحده كافٍ ليصل

    وإلى جانب التمثيل، شارك وينكلر مع لين أوليفر في كتابة سلسلة كتب للأطفال بعنوان “هانك”، لتكون رسالة تشجيع للقراء الصغار الذين يواجهون صعوبات في القراءة.

    كيرا نايتلي

    تقول النجمة البريطانية كيرا نايتلي، البالغة من العمر 40 عامًا، إنّ تشخيصها جاء مبكرًا، وهي في السادسة من عمرها.

    وتشرح أنها ما زالت تواجه تحديًا في حفظ النصوص بسبب عسر القراءة، لكنها طورت أسلوبًا يساعدها:

    ترسم أثناء الاستماع إلى تسجيلات صوتية للنصوص التي يجب أن تحفظها، لأن الجمع بين السمع والرسم يعزز التركيز والتذكر.

    وتضيف أن التجربة جعلتها أكثر فهمًا لاحتياجات ابنتها التي تعاني أيضًا من الصعوبة نفسها، مشيرة إلى أن الذاكرة القوية قد تكون نقطة قوة لدى كثير من الأطفال.

    في الخلاصة

    هذه القصص لا تلغي صعوبة عسر القراءة، لكنها تعيد تعريفها: المشكلة ليست في “القدرة”، بل في “الطريقة”. فمع التشخيص المبكر، والدعم في المدرسة والبيت، وتبنّي أساليب تعلم مناسبة، يمكن للصعوبة أن تصبح مساحة لاكتشاف مهارات أخرى- وربما طريقًا مختلفًا للنجاح.

    عسر القراءة لا يمنع النجاح؛ الوصمة وحدها تفعل.