رواية تتأرجح في اعتبار العدم غايتها القصوى (تصميم: العربي الجديد)

    نوع من الكتابة التي تُقيم في ذات القارئ، هكذا يُمكننا أن نصف رواية “انتحار” للكاتب والرسام الفرنسي إدوارد لوفيه (1965–2007) التي صدرت حديثاً بطبعة عربية عن دار كابصا، أنجزها المترجم التونسي ناظم بن إبراهيم. تتركنا الرواية (96 صفحة) أمام سؤال: ما معنى أن نكتب في مواجهة الموت؟ وتضعنا، منذ السطر الأول، في مواجهة الفراغ الوجودي المنظّم، إذ يُدخِلنا لوفيه في مفارقة سردية: الموت نقطة البدء، وكأنّ الحياة لا تُرى إلّا بعد أن يُغلق قوسها تماماً.

    يكشف اختيار الكاتب ضمير المخاطَب “أنت” في سرده موقفاً فلسفياً، ولو أنه ظاهرياً يروي حكاية صديق انتحر فعلاً، يرويها عنه وله في الآن ذاته. فـ”أنتَ” شبحٌ يُستدعى عبر الذاكرة، إذ الراوي لا يحاول فهم صديقه المنتحر، ولا تبرير فعله، ولا حتى الحزن عليه بالمعنى العاطفي المباشر. هو يتذكّر، ويرصّ التفاصيل الصغيرة واليوميات. نعرف عن الشخصية المركزية في الرواية كلّ شيء تقريباً، إلّا ما يُفترض أنه الأهم: لماذا انتحر؟ هذا الغياب هو جوهر الرواية. يجرّد لوفيه الشخصية من العمق السيكولوجي التقليدي، ليكشف هشاشة الفكرة ذاتها: هل يمكن حقاً فهم إنسان من خلال سرد أسبابه؟ 

    مع أنّ الغياب هو جوهر الرواية وفكرتها لكنها لا تحاول تفسيره

    يبني لوفيه شخصية بطله/صديقه عبر تفاصيل عابرة ظاهرياً، لكنها مشبعة بثقل وجودي، في مشهد الزوجة التي “ترى شذرات من ماضيك مع كلّ يد تصافحها وكلّ قبلة تتلقاها”، يُستعاد الماضي بوصفه خسارة مضاعفة: “لم يكن انتحارك فعلاً أجهضت به مستقبلك فحسب، وإنما جعلت به ماضيك حزيناً أيضاً”. كذلك، حين يقرّ النص بأنّ الندم كان “شعوراً مُسبقاً سيزول بزوالك”. يشتغل لوفيه على تفكيك الذات عبر الحسّ والجسد، كما في مشهد الركض تحت الشمس، وتحويل الشارع إلى “لوحة بيضاء أحادية اللون”، تجربة تفضحها “رائحة الدهانات القديمة”. وكذلك مشهد المتشرّد في مترو باريس “الذي يضحكك ويخيفك في آن”، يقدّم صورة مكثفة عن القلق: “كنت تخشى أن تنتهي مثلهم… ومع ذلك، ترى المتشردين أشباحاً تنذر بإحدى النهايات الممكنة لحياتك”.

    إدوارد لوفيه في محترفه بباريس، 2002 (ويكيبيديا)

    لكن ما يزيد هذا النص الموجز إرباكاً هو انتحار لوفيه نفسه في 15 أكتوبر 2007 بعد تسليم المخطوطة. هذا الحدث الخارجي أغرى القرّاء والنقاد بقراءة الرواية بوصفها مفتاحاً لسيرة الكاتب، لكنّ النص يقاوم هذا التفسير بصلابة. فحتى لو افترضنا تداخلاً بين الحياة والعمل، فإن الرواية تُفشل أي محاولة لاستخراج “الحقيقة” منها. تُعدّ “انتحار” تجسيداً متطرّفاً لما يمكن وصفه بـ”الانتحار بصفته أداءً فنياً” (Performance)، وقد حلّل الكتاب الأكاديمي الجماعي “الكاتب المعاصر وانتحاره” (تحرير: جوسيفا روس فالاسكو، “سبرينغر”، 2023) حالة لوفيه بوصفها “توقيتاً مسرحياً” مدروساً. 

    ومن منظور نقدي، يظهر “البرود المفاهيمي” في لغة لوفيه التقريرية؛ فمن خلال تشييع الذات وتحويلها إلى “أنت”، استطاع الكاتب مراقبة نهايته ببرود فوتوغرافي، وهو ما يفسر غياب العاطفة. ومن الإشكاليات التي طرحها هذا الكتاب حول الرواية هي “تأثير فيرتر” (نسبة لرواية “آلام فيرتر” لغوته) أو “العدوى الأدبية”؛ إذ إنّ لوفيه، عبر كتابته الأدبية عن إنهاء الحياة، قد يساهم، إلى حدّ ما، في التطبيع الفني مع الفكرة، ما يجعل الرواية تتأرجح في اعتبار العدم غايتها القصوى.