تؤكد القيادة الرشيدة لدولة الإمارات العربية المتحدة بشكل دائم على أهمية النزاهة والشفافية في العمل الحكومي كأساس لبناء الثقة وتعزيز المساءلة، وهي المبادئ التي تستند إليها الاستراتيجيات والخطط الوطنية في مجال الحَوكمة.
وانطلاقاً من هذه الرؤية الواضحة، تواصل دولة الإمارات ترسيخَ مكانتها كنموذج رائد في تبنِّي أفضل الممارسات الحكومية، من خلال مبادرات مؤسسية مبتكرة تعزِّز كفاءة الأداء الحكومي وترسِّخ مبادئ الحَوكمة الرشيدة.
وفي هذا الإطار، يأتي برنامج «المدقِّق الحكومي» بوصفه أحد المبادرات الاستراتيجية التي تسهم في تطوير منظومة الرقابة الحكومية، عبر تأهيل كوادر وطنية متخصصة في مجالي التدقيق المالي والإداري، وقادرة على مواكبة متطلبات العمل الحكومي الحديث.
وقد أُطلق البرنامج بالتعاون بين جهاز الرقابة المالية بدبي وكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، ويهدف إلى إعداد مدققين حكوميين يمتلكون المعارفَ والمهارات اللازمة لأداء مهامهم بكفاءة عالية، وفقاً لأرقى المعايير الدولية المعتمدة في مجال التدقيق والرقابة.
ويتكامل برنامج «المدقق الحكومي» مع سياسات وطنية أوسع تسعى إلى ترسيخ ثقافة الالتزام المؤسسي، وتعزيز المسؤولية، ورفع مستوى الثقة بين الجهات الحكومية والمجتمع.
ويشتمل البرنامج على محاور تدريبية متكاملة، تشمل المعايير الدولية للتدقيق، والمحاسبة في القطاع العام، وإدارة المخاطر المؤسسية، وتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في عمليات التدقيق، إضافةً إلى التحليل المالي والتشريعات المنظِّمة للعمل الحكومي وقواعد الحَوكمة.
ولا يقتصر البرنامجُ على الجوانب النظرية فحسب، بل يركِّز بصورة أساسية على التطبيقات العملية التي تهدف إلى تعزيز قدرات المشاركين على التعامل مع التحديات الواقعية للتدقيق المعاصر. ويأتي ذلك انسجاماً مع توجهات دولة الإمارات الرامية إلى رفع كفاءة منظومة الرقابة الداخلية والخارجية في الجهات الحكومية، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد العامة، وتحقيق أعلى مستويات الفاعلية في الأداء المالي والإداري.
وقد أسهم البرنامج في تخريج عدد من الكوادر الوطنية من مختلف الجهات الحكومية، بما يعكس التزام المؤسسات الحكومية بتطوير رأس المال البشري، وضمان استدامة منظومة الرقابة، وترسيخ ثقافة الشفافية والمساءلة المؤسسية، وهو ما يُعد في الوقت نفسه خطوة مهمة نحو بناء قاعدة مهنية وطنية قادرة على دعم جهود التدقيق والرقابة وفق أفضل الممارسات العالمية.
وتنبع أهمية برنامج «المُدقِّق الحكومي» من كونه جزءاً من الجهود الوطنية الرامية إلى ترسيخ مفاهيم النزاهة والمساءلة في العمل الحكومي، وضمان حماية المال العام وتوجيهه بما يخدم المجتمع ويحقق الأهداف الاستراتيجية للدولة، فالتدقيق والمراجعة يشكِّلان ركيزةً أساسيةً في نظم الحَوكمة، لما لهما من دور فاعل في كشف المخاطر المحتملة، والحد من التجاوزات، وتعزيز ثقة المجتمع بالمؤسسات الحكومية.
كما يسهم البرنامج في دعم التوجهات الحكومية نحو الابتكار والتحول الرقمي، من خلال إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في عمليات التدقيق، الأمر الذي يعزِّز من دقة الإجراءات الرقابية، ويرفع كفاءتها، ويسهم في التنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، واتخاذ القرارات المبنية على بيانات موثوقة.
ويبرز هذا التوجه أهميةَ الاستثمار في العنصر البشري باعتباره المحرك الرئيس لتطوير العمل الحكومي، حيث إن إعداد مدققين حكوميين مؤهلين ومدرَّبين وفق أفضل المعايير الدولية يضمن استمراريةَ جودة الرقابة وفعالية الأداء المالي والإداري، ويدعم تحقيقَ مستهدفات رؤية «نحن الإمارات 2031» الرامية إلى بناء حكومة أكثر كفاءةً ومرونةً واستدامةً.
والحاصل أن الشفافية، في هذا السياق، ليست هدفاً قائماً بذاته، بل جزء أساسي من منظومة الحَوكمة الرشيدة التي تعتمد على سياسات وإجراءات واضحة تضمن الرقابةَ المستمرةَ على الأداء، وتعزِّز المساءلةَ، وتدعم اتخاذَ القرارات المبنية على الحقائق والبيانات الدقيقة.
يمثِّل برنامج «المدقق الحكومي» نموذجاً عملياً لرؤية دولة الإمارات في تطوير منظومة العمل الحكومي، إذ لا يقتصر دورُه على التدريب وبناء المهارات فحسب، بل يُعد استثماراً طويل الأمد في بناء القدرات الوطنية، وتعزيز ثقافة النزاهة والشفافية والمساءلة في القطاع الحكومي بكافة مستوياته، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة، ويعزِّز ثقةَ المجتمع، ويدعم المكانةَ العالمية لدولة الإمارات في مؤشرات الحَوكمة والشفافية.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
