في مطلع مسرحية “القرنة البيضاء” ليحيى جابر، والتي تتواصل عروضها حالياً على خشبة مسرح مونو في بيروت، مقطع صادم. الأب الذي أنجبت زوجته ابنةً فاتنة “زرعها”، هو على حدّ كلمته، وكان لا بد له بحسبها أن “يقطفها”. هكذا يغتصبها ويترك في رحمها حملاً منه. إنها قصة فضائحية، لكن افتتاح المسرحية بها ليس عفواً. اندماج الزراعة والقطف في البيت الواحد، هذه الولادة من الذات، والانكباب على الذات، والانطفاء آخر الأمر في الذات، هي كناية بعيدة، ولكن مطابقة للعصبية الطائفية، ويمكننا أن نجد فيها مقدمة، بل ومفتاحاً للمسرحية.

نحن في إهدن – زغرتا، البلدة الشمالية في لبنان، وسندخل بعد هذه الفاتحة إلى البلدة، تراثها الذي هو حكايا شتّى ترويها وتلعبها ماريا الدويهي ابنة البلدة، التي أنتجت قدّيسَين ورئيسَي جمهورية لبنانية، بلدة هي في الجبل مرعى الرعيان، وتتبعها زغرتا التي هي مشتاهم. حكايا ترويها وتلعبها امرأة بلكنة أهلها وأمثالهم وأحكامهم. ماريا الدويهي تروي وتلعب، لكن كونها امرأة ليس عرضاً. إنها امرأة أولاً تقدم مجتمعاً مفرطاً في ذكوريته، بل إن هذه الذكورية تكاد تكون روحية المجتمع الذي يحرجه الحبّ والتبادل بين ثنائي منه: جميل وزوجته. هذا التلازم والتعاطف بينهما فوق طاقة المجتمع، الذي يلحّ على جميل ليصبح رجلاً بمفهوم الضيعة. ليس للنساء اسم إلا ذلك الذي يطلق على الأفران “فرن روزانا”، عدا ذلك، فإن لهن أسماء رجالهنّ من الأب حتى الزوج.

لا يفاجئنا أن تحتج واحدة على زوجها الذي، على غرار جميل، يريد أن يلاحقها بحبّه. لا تريد حبّاً، فهو لا يهين الذكورية فحسب، بل يحرج الأنوثة أيضاً. ليس في المسرحية عظة نسوية، ليس في المسرحية خطاب نسوي، وليس فيها خطاب من أي نوع، لكن افتتاحها بالفضيحة العائلية لم يكن عبثاً. نحن في زغرتا لكنّنا في ضيعة لبنانية، لبنان ليس بعيداً، زغرتا وإن كان لها تاريخها الخاص، هي من لبنان، وتكاد تكون مصغراً عنه. 

يجمع فولكلور زغرتا وتراثها من “الردّات” إلى جبران خليل جبران

ليست المرة الأولى التي يقدّم فيها يحيى جابر، المؤلف والمخرج المسرحي، بلدة في لبنان. كلّ مسرحه دوران على مناطق وجماعات لبنانية، مسرح يحيى جابر هو هذه الموازيات المسرحية لأجزاء من الواقع اللبناني. وإن كان لهذا الواقع من شاغل في الخمسين سنة الأخيرة، فهو الحرب الأهلية. قد يبدو هذا التنقل بين مواقع في بلد مفتّت، يزداد تفتتاً في مسرح جابر، هو من عواقب الحرب الأهلية. لا شكّ أن الحرب الأهلية حفزت إليه واستدعته، لكن ذلك لا يجعل من مسرحه، وضمنه “القرنة البيضاء”، أهليّاً، لا يجعل منه ابناً للحرب الأهلية. إذا كانت الحرب الأهلية بنت على عصبيات ذات تراث وفنّ ولغات خاصة، إلا أن الحرب كانت أيضاً تقزيماً لذلك، وجَرّاً له ليكون عصبية عمياء محدودة وفارغة إلا من عدوانيتها وعقلها الانتقالي. لنقُل إن العصبية الأهلية في انفجارها الدموي، تتحول إلى روح ثأرية وإلى سلاح بحت. علاقات السلاح هذه لا تنتج فنّاً ولا فولكلوراً ولا أنماط معيشة، ولا قصص حياة ولا مسرحاً. إنها نوع من العقم الذي ليس فيه سوى دمويته العاقرة. 

يمكن القول إن الحرب تقع على العصبية، لكنها لا تقع على تراثها وفنّها وحكاياها. إنها فقط أسطورتها الصلعاء، أسطورتها البكماء والشاغرة. لذا يبدو عمل يحيى جابر المسرحي في الاتجاه المعاكس. إنه لا يبني من الحرب الأهلية، بل يلاحق ما تهدد الحرب الأهلية بإبادته، ما صار بسببها شاحباً ومتضائلاً وعلى حافة الزوال. 

ما يفعله مسرح يحيى جابر، و”القرنة البيضاء” منه، هو إعادة اكتشاف لبنان الذي تكاد الحرب تقضي عليه. هناك بالتأكيد لزغرتا بدءاً من لكنتها الخاصة، التي تحوّلت في فم ماريا الدويهي إلى لغة كاملة، لزغرتا خصوصيتها وخرافاتها وقصصها، لها تراثها بالطبع، لكن جابر لا يخطئ على الإطلاق، وهو يستدعي فيه كلّ الفولكلور اللبناني، بدءاً من الردّات الشعبية انتهاءً بجُبران، لا يخطئ حين يستخرج من حكايا ومشاهد زغرتا، اللصيقة بها، كل ذلك التراث. 

لا يبدو هذا غريباً ولا مفاجئاً، فالجمهور الذي كان يشاهد ويسمع هذه الأغاني والمشاهد العريقة، لم يتعجّب من أن يحيى جابر يضعه، في اللحظة الزغرتاوية ذاتها، في كلّ لبنان. زغرتا كما كانت بيروت، كما كانت الضاحية، كما كانت عشيرة زعيتر، كما كانت نكبة الشيوعيين، هي لبنان الصغير.

عَلينا أن نتوقف طويلاً عند ماريا الدويهي، إنها مقابل يحيى جابر في المسرحية، لقد بدت ركنها الثاني، لعبها كان فنها الخاص، جعلت من اللكنة الزغرتاوية لغة، فضلاً عن ذلك كان لها من اللحظة الأولى ليس أسلوبها فحسب، بل وإلى حد كبير، كانت بجسدها وصوتها وأدائها تقدم قراءتها للنص الجابري، وكأنه لها. لقد وُلد من اشتراك الاثنين، جابر والدويهي، عمل مسرحي يبقى في البال والذاكرة.

تبدأ المسرحية بفضيحة عائلية، هي أيضاً مقابل العصبية الطائفية في لبنان، إذ تنتهي بنشيد مستقبلي “أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة”. إنه لبنان الماضي يخاطب المستقبل، مرة جديدة في مسرح يحيى جابر يتكلم لبنان من أصغر بقعة فيه.” 

* شاعر وروائي من لبنان