
كانت إدنا بوليتي أول إسرائيلية تخرج فيلما وثائقيا عن اللاجئين الفلسطينيين (“من أجل الفلسطينيين”، 1974). في وقت لاحق ركزت على الموسيقى والملحنين في القرن العشرين.
Matthieu Croizier
تمثل السينمائية اللبنانية المولد، والمقيمة في جنيف، إدنا بوليتي ، أول مخرجة غير سويسرية تُختار ضيفة شرف على مهرجان الأفلام بسولوتورن، مما يسلط الضوء على نظرتها الفريدة إلى الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني.
تم نشر هذا المحتوى على
25 يناير 2026 – 09:00
كان العام الماضي مليئًا بالمفاجآت الطيبة بالنسبة لإدنا بوليتي. فقد تم اختيار الفيلم الوثائقي الذي أنتجته في عام 1992 عن الرباعية من تأليف الملحن الطليعي لويجي نونو كواحد من 1،000 فيلم مدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو. وقد تم ترميم أفلامها الثلاثة الأولى، “للفلسطينيين، شهود إسرائيليون” (1974)، و”مثل البحر وأمواجه” (1980)، و”أنو بانو”، أو “بنات المدينة الفاضلة” (1983)، وسوف تعرض جميعها في مهرجان سولوتورن، نافذة السينما السويسرية، هذا العام.
وعندما سئلت عن شعورها إزاء كونها أول شخص من أصول مهاجرة يُختارضيف الشرف في مهرجان سولوتورن السينمائي، قالت إنها فوجئت ــ ولكنها تشعر بامتنان كبير. وقالت في حديث إلى سويس إنفو قبل بضعة أيام من افتتاح المهرجان: “أنا أقدّر هذا التكريم كمواطنة جينيفية، لأنني أعيش في هذه المدينة منذ أكثر من 40 عامًا”. “لقد عرض المهرجان أعمالي منذ أن أصبحت مقيمة في سويسرا، ولكن الأمر المضحك، هو أنني لست مواطنة سويسرية، على الأقل ليس بعد”.
إدنا بوليتي
ولدت إدنا بوليتي عام 1948 في مدينة صيدا اللبنانية ونشأت في العاصمة بيروت. التحقت بمدرسة التابعة للرابطة الإسرائيلية التي كانت تتبع منهجًا فرنسيًّا باللغة الفرنسية، ومنهجًا لبنانيًّا باللغة العربية، بينما كانت تدرس في الوقت نفسه التاريخ اليهودي واللغة العبرية.
في سن الثامنة عشرة، انتقلت إلى إسرائيل (”لأعيش حياتي بحرية وبعيدًا عن الأسرة التقليدية“) ودرست السينما في ألمانيا في أوائل السبعينيات. بعد عدة سنوات في فرنسا، لحقت زوجها الأول، وهو عالم موسيقى فرنسي، إلى جنيف، حيث صورت عدة تقارير فيديو للتلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية (RTS). بعد ثلاثيتها عن الشرق الأوسط، تحولت بوليتي إلى الأفلام المستوحاة من موسيقى القرن العشرين.
وهي تحمل الجنسيات اللبنانية، والإسرائيلية، والفرنسية. وتقول إنها تفكر في التقدم بطلب للحصول على الجنسية السويسرية، لكن هذا ليس أهم شيء في حياتها في الوقت الحالي.
في عمر 78 عامًا، لا تزال بوليتي نشطة وفي طور كتابة عمل جديد ــ وهو نوع من الخيال العلمي، كما تقول، “أو بالأحرى خيال سياسي يحدث في مستقبل بعيد، وكأنه قصة من الليالي العربية، بطريقة مجزأة. وبهذه الطريقة أود أن أعيد النظر في الشرق الأوسط كما أراه، وأن أسأل نفسي عنه”.
ويبدو هذا وكأنه قطيعة واضحة مع أفلامها السينمائية السابقة، التي كانت راسخة في الواقعية ــ باستثناء تلك السياسية. وحتى فيلم بوليتي الخيالي الوحيد، (مثل البحر وأمواجه، 1980) ” Comme la Mer et ses Vagues “، وهو مشروع تخرجها في مدرسة السينما، كان مستوحى من تجاربها الشخصية مع اللبنانيين.ات المنفيين.ات من الحرب الأهلية في باريس.
حضور طويل الأمد
وسواء كانت أفلام بوليتي، توثق الماضي أو تتخيل المستقبل، فإنها تتحدث دومًا عن الحاضر، وهذا الحاضر قد يكون مستمر في الزمن، ومتسع النطاق. فحين تشاهد فيلمها الأول، ” للفلسطينيين، شهود إسرائيليون” (1974)، ينتابها شعور غريب بأن روايتها بالكامل، منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، كان من الممكن أن تكتب اليوم دون تغيير.
وتقول: “هذا مضحك… سمعت نفس الكلمات بالضبط من المحرر الذي كان يعمل على إعادة إنتاج الفيلم. لكنني كنت لا أزال طالبة سينما آنذاك. لقد أنتجت هذا الفيلم في سنتي الثانية في المدرسة!”
لقد كان هذا أول فيلم وثائقي يصنعه إسرائيلي عن محنة اللاجئين الفلسطينيين، من حرب استقلال إسرائيل (المعروفة لدى الفلسطينيين بالنكبة ـ الكارثة) إلى حرب الأيام الستة التي احتلت فيها إسرائيل الأراضي العربية التي لا تزال تحت سيطرتها.
المزيد

المزيد
الحرب والسلام
النسويات الفلسطينيات في عين الحلوة: نضالٌ بين قسوة الفقر ومرارة العنف
تم نشر هذا المحتوى على
16 ديسمبر 2025
تواجه النسويات الفلسطينيات في مخيم عين الحلوة في لبنان تحديات مزدوجة تتمثل في الفقر والعنف المستمر، ما يجعلهن يناضلن يوميًا لتقديم الدعم والتعليم للأطفال والنساء.
طالع المزيدالنسويات الفلسطينيات في عين الحلوة: نضالٌ بين قسوة الفقر ومرارة العنف
وتضيف قائلة: “أشعر بالحزن الشديد لأن هذا الفيلم لا يزال ذا صلة حتى اليوم”، إذ أن حقيقة الفيلم لا ترتبط بقدراتها البصيرة بقدر ارتباطها بحقيقة أن واقع القضية الفلسطينية لا يزال ملحًّا، وأن ما تغير كان إلى الأسوأ.
لم يُعرض قط في إسرائيل
“لقد حاولت حقا قدر الإمكان إظهار الجوانب المختلفة لهذه القضية. والواقع أن الفيلم يؤكد على منظور تاريخي لطالما تمسكت به، وهو أن المرء لابد أن يفهم [قضية ما] قبل أن يحكم”.
لقد أنتجت هذا العمل بينما كانت تدرس الأفلام في برلين الغربية، وهو لم يعرض قط في إسرائيل. لكن، عرض في مهرجان برلين السينمائي، وشاهده صحفيون.ات إسرائيليون.ات. وتقول بوليتي: “كان أحدهم أوري أفنيري”، في إشارة إلى داعية السلام المخضرم، وأحد أشد المنتقدين من بين المفكرين الإسرائيليين للاحتلال. و”نشر مقابلة طويلة معي في مجلته، وهكذا تعرَّف الناس في إسرائيل على الفيلم”.
ولم تحظ بوليتي، التي كانت تعمل محررة أفلام في التلفزيون الإسرائيلي، قبل ذهابها للدراسة في برلين، بترحيب حار لدى عودتها إلى إسرائيل.
و”سرعان ما أوضح لي أحدهم أنني لن أحصل على وظيفة في مجال السينما والتلفزيون”. لم يكن الأمر ليصل إلى ضربي أو تعذيبي أو منع أفكاري، ولكن فكرة وجود دولتين للشعبين، كانت ببساطة غير مقبولة في تلك الفترة المبكرة، سواء بالنسبة للحكومة الإسرائيلية أو لمنظمة التحرير الفلسطينية”.
المزيد

المزيد
ثقافة
الموجز الثقافي من سويس إنفو
مقابلات ونقاشات وآخر التطورات: بتسجيلك، ستجد.ين النشاط الثقافي السويسري وأحداثه مبوّبة بشكل منظّم في صندوق بريدك.
طالع المزيدالموجز الثقافي من سويس إنفو
الإنتماء النقدي
هل لهذا السبب قررت مغادرة إسرائيل للأبد؟ أجابت: “لم أغادر أبدا للأبد”. و”ما زلت مرتبطة جدًّا بهذا البلد وثقافته وشعبه. وقضيت فترات طويلة هناك، على سبيل المثال عندما أنتجت “أنو بانو”. وتقول إن المناقشات حول الصهيونية لا تهمها. “أنا لست قلقة من أن أكون أو لا أكون صهيونية؛ وجوهر الفكرة هي أن هذه الأمة موجودة، وأن الصهيونية قامت بعملها، ولديك دولة بها عشرة ملايين نسمة لا يمكنك ببساطة طمسها، أو القول أنهم لا يملكون الحق في الوجود”.
إن بوليتي تأسف لاختفاء جيل من الفنانين والمفكرين الإسرائيليين، مثل الكتاب عاموس عوز (1939-2018) و أ. ب. يهوشوا (1936-2022)، الذين اعتادوا على تقديم نوع من التوجيه الأخلاقي، الأكثر تناغمًا مع الأخلاق اليهودية، كما تقول بوليتي.
وتعترف بوليتي بأن مواقفها من إسرائيل تأثرت بنشأتها في بلد عربي، واللغة العربية هي لغتها الأولى. وحتى جانبها اليهودي مختلف تماما عن تجربة الأوروبيين الذين شكلوا الحركة الصهيونية.
وترجع أصول عائلتها إلى أقدم مجتمع يهودي في الشتات، الغجر الناطقين باليونانية، الذين اختلطوا بطريقة ما، داخل الإمبراطورية العثمانية، مع اليهود السفارديم من أصل أيبيري الفارين من الاضطهاد الكاثوليكي.
نساء رائدات
ولدت إدنا بوليتي في نفس العام الذي ولدت فيه دولة إسرائيل، ولكن عائلتها لم تفكر قط في الانتقال إلى الدولة اليهودية الجديدة المجاورة. وكان أحد الأسباب التي جعلت والديها يقرران الانتقال من صيدا مسقط رأسها إلى بيروت في عام 1948 هو أن منزلهما صودر مؤقتًا من قبل السلطات اللبنانية لإيواء اللاجئين القادمين بأعداد كبيرة من فلسطين.
“تمكنت عائلات صيدا اليهودية التي فقدت ممتلكاتها من استعادتها في وقت لاحق، ولكن والدي قرر الانتقال إلى بيروت”. وتذكر أيضًا أنه بحلول ذلك الوقت لم يشر أحد تقريبًا إلى اللاجئين باعتبارهم فلسطينيين. وتقول: “كان يطلق عليهم ببساطة “لاجيء” (اللاجئين.ات)، لأن العديد من اللاجئين الآخرين كانوا في لبنان، مثل الأرمن والأكراد والهورانيين”.

نساء يتدربن في كيبوتس ميشمار هعميك في عام 1947 أو خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948. تاريخ هذا الكيبوتس الخاص هو محور فيلم بوليتيس الوثائقي “أنو بانو، أو بنات اليوتوبيا”.
Wikimedia Commons
وبحلول الوقت الذي تأسست فيه دولة إسرائيل (1948)، كان الشيوعيون.ات وغيرهم من الفصائل التي تدافع عن دولة عربية يهودية مشتركة، قد أصبحوا بالفعل على هامش الحركة الصهيونية.
كما أن بلوغها سن الرشد في الثمانينات 1960، عزّز أيضا انتمائها اليساري، وجميع أفلامها وبرامجها التلفزيونية تتناول مسائل المساواة بين الجنسين، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان. وفي هذا السياق، من الأهمية بمكان أن نسلط الضوء على ما نعتبره، في هذا النقد، الفيلم الأكثر أهمية بالنسبة لها، حتى أكثر من أهميته بالنسبة للفلسطينيين.
“أنو بانو” أو “بنات المدينة الفاضلة”، الذي ظهر إلى الوجود في عام 1983، يستند إلى محادثات مع النساء الرائدات اللاتي غادرن أوروبا في عام 1920 لبناء وطن يهودي كمدينة فاضلة صهيونية اشتراكية، ونسوية في هيئة حركة الكيبوتز. وبعض هؤلاء النساء المسيسات أصبحن عضوات في البرلمان، وكلهن تمسكن بعقيدتهن السياسية.
وفي منتصف الفيلم، تذكر بوليتي القضية الفلسطينية، ولا يتردد من أجريت معهم المقابلات في ذكر بعض الأخطاء التاريخية في الطريقة التي تطورت بها البلاد. ويروي أحدهم كيف أن “الأب المؤسس” للبلاد، دافيد بن غوريون، قام في عام 1930 بتهميش الشيوعيين والاشتراكيين داخل الحركة الصهيونية التي تناضل من أجل اتحاد العمال اليهود والعرب، كجزء من نفس الجهد الثوري ضد الانتداب البريطاني، والرأسمالية الدولية، وملاك الأراضي العرب.

«مؤتمر الصداقة بين إسرائيل والاتحاد السوفيتي»، فنان مجهول. نشره الحزب الشيوعي الإسرائيلي (MAKI)، 1954. عندما تأسست دولة إسرائيل (1948)، كان الشيوعيون والفصائل الأخرى التي دعت إلى إقامة دولة عربية-يهودية مشتركة يقفون بالفعل على هامش الحركة الصهيونية.
revolutionarypapers.org
وهذه قصة لا تحمل قدرًا كبيرًا من الجاذبية في الوضع الحالي، حيث لا تخضع المهرجانات السينمائية فحسب، بل وأيضا الأحداث الأدبية والفنية والعلمية والأكاديمية، وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة، بل وأيضا في أماكن أخرى، إلى قدر كبير من الحذر عند التعامل مع الحرب في غزة، وتصرفات الدولة الإسرائيلية، والوضع الفلسطيني.
في هذا السياق، يبدو أن منظمي مهرجان سولوتورن السينمائي اختاروا توجيه رسالة دقيقة، ولكنها لا لبس فيها، لتكريم فنانة مثَّل تاريخ حياتها ورؤيتها وممارساتها تجسيدًا للتعايش.
تحرير: مارك ليفينغيستون
ترجمة: عبد الحفيظ العبدلّي
مراجعة: ريم حسونة
مقالات مُدرجة في هذا المحتوى
