في عمله السردي هذا يطرح الكاتب سؤال الهجرة اللبنانية إلى الأميركيتين، لا من زاوية البطولة أو النجاح، بل من جهة الظلّ، الكلفة الإنسانية، والانكسار الصامت الذي يرافق الحلم. الرواية لا تحتفي بالهجرة، ولا تدينها بشكل مباشر، بل تفكّكها سرديًا، كاشفةً ما تختزنه من أوهام وانتظارات طويلة، ومن تشظّي في الهوية والذاكرة. فـ”التيتانيك” ليست مجرد إحالة تاريخية إلى سفينة غرقت، بل استعارة كبرى للهجرة ذاتها: حلم ضخم، وعد بالنجاة، وثقة مفرطة بالمستقبل، تنتهي جميعها بالغرق أو بالنجاة الناقصة. ويمكن القول أن الظلّ في العنوان ليس تفصيلًا لغويًا، بل مفتاح قراءة. وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط قوة الرواية: قدرتها على استعمال الرمز كأداة تفكير لا لمجرد زخرفة لغوية.
من سيرة فرد إلى سيرة شعب
ينطلق النص من سيرة فردية، لكنها سرعان ما تتّسع لتصبح مرآة لتجربة جماعية. متري هو الشخصية الأساسية، شيخ ثمانيني مثقل بالذاكرة والخيبات، إنه واحد من آلاف اللبنانيين الذين حملوا معهم إلى ما وراء البحار أكثر مما يستطيع الإنسان احتماله: الماضي، العلاقات المبتورة، الإحساس بالذنب، والحنين غير القابل للإشباع. فالهجرة هنا ليست انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل اقتلاعًا داخليًا طويل الأمد. وهي بالتالي، ليست حلاً ولا فرصةً لتحقيق حلم بحياة أفضل، بل مسار مفتوح على احتمالات الفقد والخسارة. في هذا السياق، تتمتع الرواية براهنية أكيدة، فهي لا تتناول الهجرة في بعدها التاريخي فقط، بل تعيد ربطها بالحاضر اللبناني المأزوم، حيث يعود السؤال نفسه: هل الهجرة خلاص، أم تأجيل لانكسار قادم؟
القرية اللبنانية: الفقد الأول
لا تكتمل قراءة الرواية من دون التوقّف عندما تختزنه من بعد رعوي، حيث تعود بنا إلى القرية اللبنانية في مطلع القرن العشرين. فالقرية هنا ليست مجرّد نقطة انطلاق زمنية، بل فضاء تأسيسي للهوية، وللعلاقة الأولى مع الأرض، والعائلة، والإيقاع البطيء للحياة. يصف الحجيري هذا العالم الريفي بواقعية هادئة، من دون تزيين أو تمجيد، كاشفًا نظامًا اجتماعيًا قائمًا على التراتبية، والعمل الشاق، والارتباط العضوي بالطبيعة.
هذا الحضور الريفي لا يؤدي وظيفة نوستالجية، بل يُشكّل الخلفية العميقة لفعل الهجرة نفسه. فالخروج من القرية هو القطيعة الأولى، السابقة على بيروت وعلى المنفى البعيد. ومن هذا المنظور، تبدو الهجرة مسارًا متدرّجًا: من القرية إلى المدينة، ومن المدينة إلى ما وراء البحر. وتغدو القرية، في الذاكرة السردية، أصل الفقد الأوّل، لا بوصفها فردوسًا ضائعًا، بل بوصفها عالمًا مغلقًا لم يعد قادرًا على احتواء طموحات أبنائه.
بهذا المعنى، ينجح الحجيري في إدراج الرواية ضمن تقليد أدبي لبناني واسع، تعامل مع الريف لا كحنين رومانسي، بل كفضاء اجتماعي يولّد الرغبة في الرحيل. فالقرية في “ظلال التيتانيك” ليست نقيض الهجرة، بل أحد أسبابها العميقة.
الذاكرة: عبء لا خلاص
تلعب الذاكرة دورًا مركزيًا في الرواية، لكنها ليست ذاكرة مُنقذة. على العكس، تبدو الذاكرة عبئًا ثقيلًا، تُعيد إنتاج الألم بدل أن تداويه. يستحضر السرد الماضي لا بوصفه حنينًا رومانسيًا، بل كجرح مفتوح يرفض الالتئام. وهنا ينجح الحجيري في تفادي فخّ النوستالجيا السهلة، مقدّمًا ذاكرة قلقة، مترددة، ومشحونة بالتناقض، تُشبه إلى حد بعيد ذاكرة المهاجر اللبناني، حيث لا الوطن مكتمل الحضور، ولا المنفى قادر على أن يصبح وطنًا كاملًا.
غير أنّ الذاكرة في الرواية لا تتوقّف عند حدود السيرة الفردية، بل تتّسع لتشمل ذاكرة بيروت نفسها، المدينة التي لا تظهر كخلفية صامتة، بل ككائنٍ مهدَّد بالنسيان. فالهجرة، كما يرسمها الحجيري، ليست فقط نزيفًا بشريًا، بل أيضًا تفريغٌ تدريجي لذاكرة المدينة: شوارع، أحياء، مقاهٍ، علاقات يومية، وأنماط عيش كانت تشكّل نسيج بيروت الاجتماعي والثقافي.
بهذا المعنى، تبدو “ظلال التيتانيك” وكأنها رواية مقاومة للنسيان، تحاول أن تُمسك بما يتسرّب من ذاكرة المدينة قبل أن يتحوّل إلى أثرٍ باهت. فمتري لا يحمل معه ذكرياته الشخصية فحسب، بل يحمل بيروت التي كانت، لا كما تُستعاد في الخطابات العاطفية، بل كما عاشت في التفاصيل الصغيرة، قبل أن تُفرّغ من ناسها وتُترك عرضة للتشوّه أو المحو. الهجرة هنا لا تقتلع الأفراد فقط، بل تُهدّد بتحويل المدينة نفسها إلى “ظلّ” من ماضيها.
السرد واللغة: واقعية هادئة ونبرة تأملية
يعتمد الحجيري أسلوبًا سرديًا هادئًا، متأنّيًا، يبتعد عن الانفعالات الخطابية، ويميل إلى الجملة الواضحة المشحونة بدلالات نفسية. اللغة هنا في خدمة الفكرة، لا العكس. لا استعراضاً بلاغيًا، ولا افتعالًا شعريًا، بل كتابة تميل إلى الاقتصاد والتكثيف..
هذا الخيار الأسلوبي يمنح الرواية صدقيتها، لكنه قد يضعها، في بعض المقاطع، على حافة البطء السردي، خصوصًا لدى القارئ الذي يبحث عن تصاعد درامي سريع. غير أنّ هذا البطء يبدو منسجمًا مع طبيعة الموضوع: الهجرة ليست حدثًا صاخبًا، بل استنزاف طويل.
تكتسب “ظلال التيتانيك” أهميتها من موقعها ضمن أدب الهجرة اللبناني، لا بوصفها رواية تاريخية أو توثيقية، بل كنص إنساني يُنصت إلى ما يُهمل غالبًا: الجانب الصامت من التجربة، ما بعد القرار، وما بعد الوصول. لا تسعى الرواية إلى ابتكار شكل سردي جديد، لكنها تنجح في تعميق سؤال قديم، وتقديمه بلغة ناضجة ومتوازنة. وهي، في هذا المعنى، إضافة معتبرة إلى الأدب اللبناني المعاصر، خصوصًا في زمن يعود فيه خيار الهجرة ليُفرض على اللبنانيين كقدر شبه جماعي.
