قبل بضع سنوات على رحيله، كتب الياس خوري مقطوعةً موسيقيّةً اسمها «كأنّها نائمة». سمّاها «رواية» لئلّا يختلط الأمر على الناس، فينخرطوا في تأويلات لا حصر لها عن أمر هذه التحفة الفنّيّة التي تسافر بين لبنان وفلسطين، وتحديداً بين بيروت والناصرة. لكنّ الحقيقة أنّ «كأنّها نائمة» مزيج من الحلم والخيال والشعر والنغم، وتكاد تكون أقرب إلى المقطوعة الموسيقيّة من كونها رواية. هناك، يسرد علينا ابن الخوري حكاية ميليا البيروتيّة التي تركت على مطبخ مدينتها بصمات لا تندثر قبل أن يأتي منصور اليافاويّ، الذي يعشق الشعر، ويصطحبها معه زوجةً إلى بيته الجديد في الناصرة. هذه الشخصيّة الغريبة التي اسمها ميليا ليست مجرّد فتاة حالمة، بل امرأة تعيش في أحلامها أكثر من عيشها في الواقع، بحيث تغور الحدود بين الحلم واليقظة. وهي، إلى ذلك، تستغرق في الصمت، إذ غالباً ما تشعر بأنّ الكلمات أقرب إلى الأصوات المبهمة منها إلى المعاني.
هكذا رسم الروائيّ الكبير شخصيّة ميليا. لكنّه، ذات صفحة، خان صنعة الروائيّ وخرج عن تخفّيه خلف شخصيّاته، فإذا بميليا الصامتة تطلق إحدى النظريّات التاريخيّة والأدبيّة التي كان ابن الخوري يحبّ أن ينثرها في رواياته، ولا سيّما في ثلاثيّته «أولاد الغيتو». لعلّنا، هنا، أمام الحلقة الأضعف في سمفونيّة «كأنّها نائمة». وربّما نكون أمام إحدى المشكلات الأساسيّة في عمارة الياس خوري الروائيّة، إذ ليس من النادر أن تخرج بعض شخصيّاته، يونس/خليل (باب الشمس) وميليا وآدم (أولاد الغيتو) مثلًا، عن الإطار السرديّ البحت كي تتحوّل إلى أصوات تمتلك نظريّات موجزةً في التاريخ والأدب، وكأنّ الخوري يستعيض بالحبكة الروائيّة التي تتخطّى ذاتها عن كتابة نصّ مرجعيّ في النقد الأدبيّ لم يولد البتّة.
في خضمّ الأحداث التي ستسفر عن نكبة فلسطين، تقول ميليا لزوجها منصور في «كأنّها نائمة» ما معناه أنّهم، أي أبناء الأرض، لن ينتصروا إلّا في الشعر، وذلك حين سيخرج منهم شاعر عظيم يحوّل فلسطين إلى استعارة إنسانيّة كونيّة. كلام ميليا هذا، الذي يتناقض وشخصيّتها الصامتة الحالمة، إذ يفوح منه عطر الراوي الياس الذي عكف طوال حياته على التفكير في معنى نكبة فلسطين، يحيلنا على السؤال الأبديّ عن معنى الانتصار ومعنى الهزيمة، وهويّة المنتصر وهويّة المهزوم. مَن يمتلك، يا ترى، سرديّة الانتصار، وما معنى أن يكون المنتصر منتصراً والمهزوم مهزوماً؟ هل انتصرت روما التي حكمت شعوب الأبيض المتوسّط طوال قرون؟ وحين يذهب الناس اليوم إلى بومبايي (Pompei) الإيطاليّة، هذه المدينة التي لا يشبهها شيء في قاموس علم الآثار لكون الحمم البركانيّة غلّفت الحياة فيها، فصار استكشافها لا استكشاف الموت في المقابر، بل استكشاف الحياة التي تسمّرت في الزمن، هل يقصدون القيصر المنتصر على البرابرة، أم يحجّون إلى أقدم بيت دعارة رسميّ في العالم كي يكتشفوا هناك أنّ رغباتهم ومخيالاتهم الجنسيّة لم تتغيّر؟
في مكان آخر، وربّما انطلاقاً من الحكايات الجليليّة التي وثّقها الياس خوري في «باب الشمس» ومزجها بالخيال كعادة الأدب، حَسِب الروائيّ أنّ الحكاية ستنتصر على التاريخ. منطلق الياس ما تعلّمناه في المدارس أنّ المنتصر يكتب التاريخ. أراد ابن الخوري تحدّي هذه النظريّة عبر الحكايات الكثيرة التي تحوّل التاريخ الرسميّ إلى شيء يشبه الإيديولوجيا، وكلّ إيديولوجيا مصيرها النقد والمراجعة والتفكيك. فعنده أنّ قصص الجليليّين المنكوبين بالنكبة تنبثق منها حكاية تقارع التاريخ الرسميّ الذي تتوكّأ عليه دولة إسرائيل. بيد أنّ ما يذهب إليه صاحب «كأنّها نائمة» في مقطوعته الموسيقيّة التي تتمحور على ميليا والشعر والحدود الملتبسة بين الحلم والواقع، يبدو كأنّه جواب آخر عن معضلة السؤال عن الهزيمة والانتصار. فعند ميليا، الغارقة في دهاليز أحلامها، أنّ الشعر هو ما سيصنع النصر، وذلك حين سيأتي الشاعر الذي يقف إلى جانب امرئ القيس وأبي نوًاس وأبي الطيّب المتنبّي، الذين يتندَر زوجها منصور بأبياتهم قبل أن يضاجع زوجته، كي يكتب فلسطين بماء الذهب على كعبة ما محوّلاً إيّاها إلى استعارة إنسانيّة كبرى.
هل كان الياس خوري يفكّر في شاعر معيّن حين وضع هذه الكلمات على لسان ميليا؟ سؤال في غير محلّه على قدر ما تجرح الحقيقة المجرّدة رمزيّة الاستعارة وتهتك حجب الكناية. أمّا ميليا الساحرة، فسرعان ما تعود إلى صمتها كي تعيد الروائيّ الياس خوري إلى حقيقة أنّه روائيّ، وتجعلنا نصفح عن خيانته اللعبة الأدبيّة لبرهة ما.
