لم تكن ريما أميوني مجرّد رسّامة، بل حالاً فنية كاملة، جعلت من الفن قدراً ومن اللوحة مساحةً للاحتراق والفرح معًا. في أعمالها، كان اللون يسبق الشكل، ويعلو على الوصف، كأنه آخر ما تبقّى من بهجةٍ عنيدة في عالمٍ يذبل من وطأة المرض والوحدة وطلب الخلاص. لطالما عُرفت بأسلوبها المتميز بالوحشية اللونية، منذ ان حازت على الجائزة الأولى لصالون الخريف العام 1995، في متحف نقولا ابراهيم سرسق ظلت محافظة على جرأتها في محاكاة اللون بوصفه فضاءاً مكانياً يضج بالحياة والحركة، فواظبت على رسم الطبيعة كذكرى داخلية لا كمنظر خارجي. اليوم، وهي تغيب، تترك خلفها فردوسًا لونيًا مفتوحًا على تأملات الوجود، ونتاجاً غزيراً شاهداً على فنانة رسمت حتى أقصى حدود الصدق.

لوحة للرسامة ريما أميوني (صفحة فيسبوك)
منذ معرضها الأول سنة 1980 في صالة “إبروف دارتيست”، عرفت ريما أميوني (من مواليد بيروت) بأسلوبها الذي يمزج التعبير اللوني الجريىء والمشاعر الإنسانية العميقة، فأضفت اعمالها على مناخات فنون ما بعد الحداثة في بيروت طابعاً خاصاَ من الشراسة والعنف اللوني والعذوبة في آن واحد. تبلورت شخصيتها الفنية خلال دراستها في مدرسة بيام شو للفنون في لندن، ثم تابعت مسيرتها الأكاديمية في جامعة كولومبيا في نيويورك، قبل أن تعود إلى لبنان حيث استقرّت وعملت، مستلهمةً من الطبيعة المتوسطية والحياة اليومية موضوعاتٍ لأعمالها التي رست على ثوابت جمالية لم تهتز او تتغير مع الوقت، بل أضحت أكثر نضجاً واقتراباً من عالمها الخاص بل المغلق على نفسه كدوامة. أقامت معارض فردية وجماعية في بيروت وعواصم عالمية عدة، وحظيت أعمالها بتقدير نقدي واقتناء من مؤسسات ومجموعات خاصة. في السنوات الأخيرة من حياتها أبدت اهتماما كبيراً بفن السيراميك فأنجزت عدداً وافراً من الأواني التي لوّنتها وشكّلتها بالأزهار والزخارف.
الإدراك اللّحظي للعابر

الطبيعة حاضرة بقوة (صفحة فيسبوك)
تأثرت اعمال ريما أميوني بمقر اقامتها في “اليرزة” تلك الهضبة الجميلة ببيوتها وحدائقها المشرفة على بيروت والبحر، والتي شكّلت متنفسها الفني وفضاءها المنعزل المفعم بالوحي والالهام. لم يكن يفصل محترفها عن حديقة بيتها سوى نوافذ من زجاج شفاف. فظلت الحديقة حاضرة أمام ناظريها وفي متناول يدها، ترسم اشجارها ونباتها وزهورها، في بحث متواصل عن الجديد المنبثق من تكرار الموتيفات نفسها، ومع إيقاعات الحياة اليومية التي كانت تتسلّل إلى مرسمها، راحت موضوعات جديدة تتشكّل، فكانت تُدرج صورة وجهها أو وجوه أفراد عائلتها وأصدقائها المقرّبين وسط النباتات والأشياء المجرّدة مستخدمةً ألوانًا زاهية وغير واقعية، في تصوير مباشر يقوم على البداهة والادراك اللحظي للمشهد العابر. وإن بدت اعمالها الأولى قريبة من تعبيرية سوتين ووحشية دوران ودوفي وفلامينك، فإن مزاجها في تصوير النساء وكائنات الطبيعة ونباتها وموجوداتها ظل أقرب إلى مزاج ماتيس وعالمه الداخلي المشبّع بالأزرق النيليّ والألوان الصيفية الحارة.
في معرضها الأخير (عام 2023) الذي أقامته في صالة عايدة شرفان، تحت عنوان “الحديقة الكبيرة التي تحمل سماءها في فروعها”، وهو عنوان مقتطف من نص كتبته دومينيك إده لمقدمة المعرض تقول: “الموت والحياة يتقابلان ويتجاوران أحدهما الى جانب الآخر في عبق الألوان الدافئة، والأزهار حيث لا زيف في المشاعر ولا تكلّف. الفنانة ريما أميوني من الفنانات القليلات اللواتي واجهن وعبّرن عن ضعفهن وقوتهن بكل جرأة في آن واحد. أعمالها الفنية وتصويرها لذاتها في اللوحات يشبهان وطنها لبنان. من قلب الجراح تولد العجائب. إنه الوطن/الحديقة التي تحتضن السماء في أغصانها”.

بهجة الطبيعة الداخلية (صفحة فيسبوك)
في هذا النتاج الأخير، لم تعد الطبيعة ثيمة فنية فحسب، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من كيانها الداخلي، أشبه بسجل يومياتها الفنية، وملجأ لمشاعرها وبوحها وحزنها وفرحها. غير أن تحولاً خفياً طرأ بعد رحيل والدتها، التي رافقتها ورعت موهبتها منذ الطفولة وشجعتها على المضي في الفن. فبرزت “ثيمة” الكراسي الفارغة. كرسيان شاغران في أكثر من لوحة، أحدهما لها والآخر لوالدتها، في إشارة الى الفراغ الكبير الذي خلّفه غيابها. ولم تجاهر بهذا الفقد علناً إلا في لوحة مهداة الى روح والدتها منى (تقي الدين) حيث تظهر جالسة على كرسي داخل حقلٍ لونيّ كثيف ومبهر بتعبيريّته الصارخة، الشبيهة برسم دوكوننغ لأمه، يستنبط ينابيع الألم والفراق. فقد أخذ الشغور يلفت انتباهها، ويدفعها لرؤية اشياء مألوفة لطالما كانت موجودة ولكنها تكتشفها كأنها لم ترها من قبل. هكذا اخذت الأشياء تتقابل وتتواجه في ثنائيات توحي بذلك الحوار الصامت بين الحضور والغياب، والحياة والموت: صورتان، نافذتان، إناءان، بابان، شجرتان وحيدتان تتصلان من بعيد بخيط أفق وهميّ.
طبيعة خارج الزمن والفصول
تشير تجارب ريما أميوني الى حدّة الألوان وسطوعها، النابعَين من تجربة حسية أكثر منها بصرية، وإلى انتصار الشعور الطفولي والتعبير التلقائي على عالم النِّسب الذكية في بناء عالم الصورة. كانت تخرج الى الطبيعة لتمشي وترسم وتلتقط بعض الأفكار والموتيفات، ثم تعود الى المحترف، فتعمل على تكبير الجزء ليغدو مشهداً فنياً، مستخدمة أقلام الفحم على القماش قبل ان تباشر بالألوان الزيتية التي فضلتها لما تمنحه من تأثيرات بصرية وجمالية، تتيح لها مزيداً من التأمل، قبل إضافة طبقات اخرى من الاكريليك سعياً الى بلوغ ملمس كثيف ونافر. “أكثر ما يأسرني في الطبيعة هو الأصفر والأخضر”، تقول أميوني في حوارنا الأخير، وكأنها تشير إلى اللونين اللذين عشقهما فان غوخ. وفي الحقيقة، لا تخلو أي من لوحاتها من هذين اللونين، حيث تنتشر ضربات فرشاتها الحادّة كقضبان لونية، موقَّعة بريشة الفنان الذي كان مصدر إلهامها.

الرسامة ريما أميوني (صفحة الرسامة – فيسبوك)
ليس مستغرباً ان تمتزج، تحت ضربات فرشاتها المتقدة، بعض التوجّهات المتقدمة للتعبيرية الالمانية في رسم الطبيعة، مع المنحى التشخيصي للواقعية في التصوير الأميركي. ذلك التيار الذي برز في خمسينيات القرن العشرين، تصدياً لمدرسة التعبيرية التجريدية، عبر ثيمات حميمة تلامس الواقع اليومي بلا تصنّع، ، سواء في تصوير العالم الداخلي بأشيائه الهامشية، أو في الالتفات إلى المناظر الخارجية، ولا سيّما الطبيعة، امتدادًا للانطباعية الفرنسية بنكهة أميركية. هكذا تمكنت أميوني من إزاحة الصورة الواقعية لمصلحة الحقيقة الذاتية المتّصلة بالمشاعر والتعبير الغريزي، لتغدو تحويرات الشكل والتسطيح والعنف اللوني، والفطرية، والفوضى المنظّمة، والتّدخل في سردية المنظر، بوصفه كياناً خاصاً بالفنانة، ركائز أساسية لطبيعة تعبّر من خصائص المكان وايقاعات العيش اليوميّ وتجارب الذات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ترسم ريما أميوني الطبيعة خارج الزمن والفصول، كأنها طبيعة مستحيلة آتية من أحلام الشعراء، لفرط ما هي طازجة وصافية ومتأججة وساكنة بغرابة، حيث لا ضوء ولا ظل، بل أحمر ينصاع إلى رعشات مزاج ساذج يبوح بعدم الارتياح، وأخضر يتسلل إلى صمت الحدائق، وأزرق يترصد بستاناً من الزهر، وبرتقالي فوسفوري يتراقص على رماديّ مخطّط بالأسود، فيما تتأرجح ألحان الأرض الملتهبة بين سيقان الزهور. فكلّ نورٍ ينبع من اللون نفسه، في امتلاءٍ يبلغ أقصاه بروح أشياء الطبيعة وجوهرها، حيث تقوم حرارة المشهد اللوني وسطوعه على بساطة الموتيفات والقدرة على استنباط علاقات لونية غير متوقعة وصادمة احياناً، على مساحات مؤلفة من طبقات سميكة من الألوان تتجاور أو تتعاقب في ارتجالٍ انفعاليّ مُبهِر.
يخطئ من يعتقد أن الفنانة تُبصر العالم من بعيد ولو بدا المشهد بانورامياً، إذ تضع كل عناصرها في الحقل الأول من عتبة الرؤية، لتُدخل ناظريها إلى قلب اللوحة، وفق اتجاهات متفرقة بلا زوايا استقطابية. يغلب الحدس الفطريّ والشغف بالمكان، وأركان البيت من الداخل، ومنظر الجوار المحيط وأسوار البيوت الحجرية المتوّجة بالقرميد في الجبل اللبناني، وحركة الهضاب المُسرعة والدروب الهابطة إلى أعماق النفس. ولا بد للمتنزّه في فردوس ريما أميوني أن يغوص في لُجج الألوان حتى القدمين.
