بأسلوب ممشوق، يحمل القارىء من الإصغاء إلى الدهشة، عبرت بنا رحاب خطار إلى ما نحلم به. فوجدنا أنفسنا عابرين مع عابري الصفحات، إلى قبلة تطوف حولها أفكار من سار بين الكتمان والإنشاد، حين قرأنا ديوانها “خطى العبور”، الصادر ضمن منشورات “منتدى شاعر الكورة الخضراء”.

ديوان “خطى العبور” لخطار، سَفَر بين الكلمات. وبين الحروفِ حروفٌ، على القارىء حلّ أحاجيها برفق، كي لا يتشظّى معنى الحياة التي غنّتها الشاعرة في قصائدها. فها قد وجد القارىء حبراً حالماً ليراعة أمسكت به بإحسان حبّ، وأهدته كلمة المرور لحسن العبور.

كيف تسامح الشاعرة على خطيئة الغياب، ولؤلؤة أعماق الروح كاتمة الأسرار؟ تختال الأماني على طول الشطآن، وعلى جبين السماء تتراءى خارطة اللقاء، وتلقي بظلّها على الرمال: “أسأل نفسي عن مكانه…/ عن زمانه:/ أفي السماء؟/ بين الأمواج؟/ أم مختبئ في صدفة منسية بين حبّات الرمل؟” (صفحة 19)

هي حكايا الحب ّ نطويها، كما نطوي الصفحات. فكيف ننتصر على الصمت وعبث دافق في شرايين المؤانسة؟ هكذا هي الحياة التي غنّتها خطار، وأبحرت في يمّها  بقصائد شبيهة بأشرعة لا تحترق البتّة، لأنّها صنعتها من نسيج المودّة والصفاء، التي تغلّف الأجساد مسكن الأرواح: “الصمت صلاة بلا ركوع/ وعناق بلا جسد/ ووصيّة الروح حين/ تعجز اللغة.” (صفحة 26)

متى لم تكن الأم تزكية النفس في هواها، وكلمة عشق ينطق الوليد في مهدها، ويأنس الفتى في هَدْي رشدها؟ فكيف لابْنٍ أن يخاتل من قميءِ شر فيه حطَّة الخذلان، بعدما ارتقى في سؤدد النجاح، وكان في مقتبل العمر طفلًا يانعاً في حضنها كعود زان؟ فقد ورد في الصفحة 41 ضمن قصيد عاقر تعاقر الخذلان: “كأنّه ابن عاقر/ لا ذاكرة له في رحمها/ ولا حليب له في جوفها…/ ولدته من عجز/ ربّته في ندوبها/ لا في مهده.”

في حمأة الحياة، نفتقد الشعور بالأمان، لعل مرد ذلك يكمن في خاصية وجودنا بعيداً عن أمانينا، على سلالم من إيقاع متحرّك في دنيا تعبث بنا. وحده الوعي النابع من الأنا، طيف عبور نحو العالم من باب الذات: “كمّ أتمنّى العبور/ إليّ/ إلى محيطي،/ إلى خليجي/ إلى واحة أماني./ إلى وديان تعزف/ رياحها معزوفة الصمت/ تملأ كهوفها بلحن الحياة.” (صفحة 57)

على ناصية فخر الحبر، اكتشف القارىء حزن الوطن. فقد باحت صفحات الديوان بمجد أرض معذّبة. فكيف ترحل عنها شاعرة مع طيور عابرة إلى فضاءات أخرى، وقداسة الأرض تأشيرة بقاء؟ فتعالوا نخلع عنّا حلم اللجوء إلى غربة مجهولة، قبل أن نكتب قصائد تليق بلبنان: “أنا ابنة الأرض التي/ لا تموت/ أرض تعرّفت على/ العز وسط الخراب/ وعلى القداسة وسط الدم./ أنا ابنة لبنان…” (صفحة 116) 

حين يجثم جبلٌ من الفولاذ ليلاً على صدرك، وصمت عاصفة بشريّة ينذر بأزيز رصاص قادم من المستقبل، ودوي انفجارات قادمة من العدم. وتتعاظم الأحلام في مجتمع مريض يذوي، وتصبح أبسط حقوق الإنسان طموحاً. حين يصبح صوت الضمير ورقة خريف ضائعة في صوت هدير شلال الحياة، من يتمنّى الصعود بركب قطار قادم من دون خط واضح ليسافر إلى المجهول كما في مسرحيّة “المحطّة” للرحابنة، قائلاً مع خطار العمر حقيبة سفر، بعدما جعلت غادة السمّان الجسد حقيبة سفر، ووضّبت الأم الأمان في حقائب وحقائب: “العمر حقيبة سفر/ حملتها أمي يوم ولادتي/ شذى فرحها/ أعاق حكم إغلاقها/… تعدّدت حقائبي/ بأحجام وألوان مختلفة./ تكدّست في خزانتي/ تخبئ فيها حكايات/ وصدى ضحكات./ تركتها أمانة/ وذكرى تحكي عنّي،/ يوم أسافر بلا حقيبة.” من قصيدة العمر في حقيبة، (صفحة 70).