خلال عرض لجون أشقر في بيروت، يوليو 2025 (الصحافية فاطمة عبد الله/ فيسبوك)

في السنوات الأخيرة، لم يعد الستاند أب كوميدي في لبنان مجرد ترفيه ليلي أو تجربة محصورةً في نوادٍ صغيرة، بل تحوّل إلى مساحة عامة جديدة تتقاطع فيها السخرية مع السياسة، والسرد الشخصي مع النقد الاجتماعي، والمنصة الرقمية مع المسرح الحيّ. بين صعود نجوم جدد، وتحوّل النكتة إلى سلعة رقمية قابلة للتداول، وتصاعد المواجهة مع السلطة الدينية والسياسية، يشقّ هذا الفن طريقه بوصفه مرآة لجيلٍ يبحث عن لغة بديلة للقول والاحتجاج والضحك في آن واحد.

حضرت الكوميديا في المشهد العام اللبناني منذ زمن بعيد. قبل الحرب الأهلية وبعدها برزت أسماء مثل حسن علاء الدين (شوشو) وزياد الرحباني اللذين مزجا، بأساليب مختلفة، بين النكتة والسخرية والنقد السياسي والاجتماعي. لاحقاً، غزت برامج الاسكتشات الساخرة شاشات التلفزيون المحلية، وعكست الاستقطاب السياسي الحاد في البلاد بعد عام 2005. وأخيراً، ظهر الستاند أب كوميدي الذي انتقل خلال سنوات معدودة من فنّ يجذب فئات شبابية محددة إلى ظاهرة تستقطب جمهوراً واسعاً، مقدّماً أسلوباً مختلفاً يقوم على السرد الشخصي والاحتكاك المباشر مع الجمهور.

ليس من السهل تحديد تاريخ دقيق لظهور الستاند أب كوميدي في لبنان، إذ بدأ بمبادرات فردية من شباب تأثروا بنجوم هذا المجال في الولايات المتحدة، وسعوا إلى إعادة تقديمه لجمهور محلي. لكن يمكن اعتبار الكوميدي اللبناني الأميركي نمر بونصار من أوائل الأسماء التي قدّمت هذا الفن في العقد الأول من القرن الحالي، وإن كان باللغة الإنكليزية، ما أبقى انتشاره محدوداً. ومع مرور الوقت، بدأ آخرون في بيروت تقديم عروض باللغة العربية ليتوسّع المشهد تدريجياً.

أشار الكاتب والممثل المسرحي اللبناني، عبد الرحيم العوجي، إلى أن اتجاه عدد متزايدٍ من الشباب إلى تقديم الستاند أب كوميدي خلال العقد الماضي نتج عن “حالة تحدٍّ للسلطة” و”الرغبة في الانتقاد السياسي”، لافتاً إلى أن بعضهم عملوا كتّاباً في برامج سياسية ساخرة، كان هو أيضاً من المشاركين فيها، مثل “شي إن إن” و”بي بي شي”.

وقال العوجي في حديث مع “العربي الجديد”: “كل الذين بدأوا بتقديم الستاند أب كوميدي في لبنان تأثروا بكوميديين أميركيين”، وأضاف: “هو نوع كوميديا جديد نسبياً ومختلف تماماً عن الأنماط التي كانت مألوفة لدينا”. وأوضح: “صحيح أن نصوص الستاند أب كوميدي محضّرة مسبقاً، لكنها غير متكلفة وتعتمد على العلاقة المباشرة مع الجمهور، ما قد يجعلها أصعب من أي شكل كوميدي آخر”.

الممثل والكاتب المسرحي عبد الرحيم العوجي (ربيع راشد قصيباتي/ فيسبوك)

ولا ينكر الكوميدي اللبناني، جون أشقر، التأثير الأميركي الكبير على مشهد الستاند أب الكوميدي المحلي، موضحاً أن “هذا النمط ظهر وتطوّر في الولايات المتحدة في الخمسينيات والستينيات، ومن هناك انتقل إلى بقية العالم، ونحن تأثرنا بهم كغيرنا”.

كانت علاقة جون أشقر بالستاند أب كوميدي متقطّعة في البداية، لكن ابتداءً من عام 2017 اختار التركيز على هذا المجال الناشئ. في السنوات الماضية، برز اسمه كأحد أبرز مؤدّي الستاند أب كوميدي على الساحة المحلية وأكثرهم شعبية بين اللبنانيين داخل لبنان وخارجه، ما فتح الباب أمامه لتقديم عروض في دول عربية وأوروبية مختلفة، وصولاً إلى الولايات المتحدة وأستراليا. حالياً، يملك أشقر أكثر من 600 ألف متابع على “إنستغرام” وأكثر من 260 ألف متابع على “تيك توك”.

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في لفت الأنظار إلى أشقر وغيره من الكوميديين اللبنانيين، ومنحتهم فرصة للظهور أمام الجمهور من دون الحاجة للمرور عبر الوسائط التقليدية مثل التلفزيون. في حديث مع “العربي الجديد”، قال أشقر: “الكوميديون الأميركيون وجدوا طرقاً للانتشار على منصات التواصل، ونحن تبعنا خطواتهم وتعلّمنا منهم”، لكنه نبّه في الوقت نفسه إلى أن “وصول شخص إلى جمهور واسع على منصات التواصل لا يعني بالضرورة نجاحه في تقديم عروض ستاند أب على المسرح”.

جون أشقر خلال عرض في الولايات المتحدة (فيسبوك)

ومع تأكيده على أهمية منصات مثل “إنستغرام” و”تيك توك” في انتشار الستاند أب كوميدي، أشار أشقر إلى محطتين مفصليتين في صعود هذا النوع الكوميدي الجديد في لبنان: “الأولى هي تأسيس نادي أوك.وورد (Awk.word) عام 2018 الذي وفّر لنا مظلة للقاء ومنحنا منصة لتقديم عروضنا والتفاعل مع الجمهور، أما الثانية فهي جائحة كوفيد-19”.

وأوضح بنبرة مازحة: “خلال فترة الإقفال عام 2020 شاهد الناس كل الأفلام والمسلسلات الموجودة على نتفليكس، وبدأوا بمشاهدة بعض عروض الستاند أب الأميركية المعروضة على المنصة. في الفترة نفسها نشرت أوك.وورد عرض ستاند أب بلدي الذي سُجّل في 2019 على يوتيوب، فتحمّس الجمهور لرؤية لبنانيين يقدّمون عرضاً يشابه في أسلوبه تلك الأميركية، لكن بلغتهم وعن مواضيع ترتبط بعالمهم”.

مواضيع الستاند أب كوميدي

تتناول عروض مؤدّي الستاند أب كوميدي في لبنان ثيمات رئيسية، من بينها الحساسيات الطائفية، والاختلافات المناطقية، والأوضاع السياسية والاضطرابات الأمنية، ومشاكل الحياة اليومية، إضافةً إلى العلاقات العائلية.

ورأى عبد الرحيم العوجي أن الستاند أب ظهر كوسيلة للنقد السياسي لدى جيل من الشباب، لكنّه تحوّل في الآونة الأخيرة إلى “موضة أشبه بموضة البودكاست”، مشيراً إلى تضخّم أعداد الكوميديين الذين “لا يملكون أي هدف أبعد من إضحاك الجمهور”. ولفت إلى أن أحد أسباب انتشار هذا الفن في الأساس كان قدرته على تحويل النكتة إلى أداة تحمل رؤية أعمق، وتعبيره عن موقف نقدي من السياسة والمجتمع والدين.

وبرأيه، فإن معظم الكوميديين في لبنان حالياً ينتمون إلى فئة الـ”وان لاينر” (one-liner)، أي أنهم لا يعتمدون على تقديم سرد مترابط بقدر ما يمرّرون نكتة في كل جملة يقولونها. وأضاف: “عندما أشاهد عرضاً من هذا النوع قد أضحك كثيراً، لكنني لن أتذكر شيئاً مما شاهدته بمجرد خروجي من القاعة”.

من جهته، أشار جون أشقر إلى أنه “كان شغوفاً دائماً بالستاند أب كوميدي كنمط فني”، لكنّه رأى فيه أيضاً “طريقة يوصل من خلالها رسالة معيّنة” للتعبير عن موقفه من قضايا مختلفة. وقال: “إذا لم تكن عروضي تحمل فلسفة ورؤية، فلن أكون قادراً على القيام بها. أؤمن أن الستاند أب كوميدي أداة للتغيير السياسي والاجتماعي، وهذا هو دافعي من هذا العمل”.

في عروضه، تطرّق أشقر إلى ثيمات من الواقع اللبناني المحلي، مثل نشأته في بيئة طائفية مغلقة، أو تجربة طلاقه في المحكمة الدينية المارونية، كما تناول مواضيع أكثر عمومية، مثل تجربته في حياة الشركات أو مفهوم النجاح في الحياة. بالنسبة إليه “هناك مغزى من سرد هذه القصص”، موضحاً أنه لا يقدّمها كتجربة فردية معزولة عن السياق السياسي والاجتماعي، بل كتعبير عن رؤية وموقف أعمق. وأضاف: “أريد أن يخرج الناس من عروضي وهم يفكّرون بما سمعوه”.

ملاحقات قضائية

صحيح أن انتشار مقاطع من عروض الستاند أب كوميدي على منصات التواصل الاجتماعي أتاح لها الوصول إلى جمهور لبناني واسع، لكنّه في الوقت نفسه لفت أنظار السلطات إليها ووضعها في دائرة الضوء. شهدت الفترة الماضية حملات إلكترونية وملاحقات قضائية ومحاكمات بحقّ عددٍ من الكوميديين اللبنانيين، بعد نشر مقاطع من عروضهم تضمّنت نكاتاً وتعليقات أثارت غضب جهات سياسية أو دينية أو أمنية.

عام 2023، خضع الكوميدي نور حجار لتحقيق في قضيتين مختلفتين حول نكات قالها في عروضه وجرى تداولها على منصات التواصل الاجتماعي، الأولى تتعلق بالجيش اللبناني والثانية بإهانة الشعائر الدينية. وعام 2024، واجهت الكوميدية شادن فقيه دعوى قضائية بعد تسريب مقطع من أحد عروضها المغلقة على منصات التواصل، واتُّهمت بتحقير الشعائر الدينية وإهانة الذات الإلهية، ما دفعها في النهاية إلى مغادرة لبنان والاستقرار في فرنسا.ترافقت هذه الملاحقات القضائية مع حملات تحريض إلكتروني واسعة استهدفت حجار وفقيه، وتضمنت تهديدات صريحة بالاعتداء الجسدي وحتى القتل.

الكوميدي اللبناني نور حجار (فرانس برس)

وفي حين أغضبت تعليقات فقيه وحجار المؤسسات الدينية الإسلامية، تكرّر الأمر نفسه أواخر العام الماضي مع الكوميدي ماريو مبارك الذي أغضب المؤسسات الدينية المسيحية بعد نشر مقطع من أحد عروضه تضمّن تعليقاً ساخراً عن دفن المسيح والقيامة. وخضع مبارك، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، للتحقيق في شكوى مقدمة ضده من محامية بتهمة التحقير والتجديف، قبل أن يُطلق سراحه مع إبقائه رهن التحقيق.

بالنسبة إلى جون أشقر، فإن “نكتة ماريو ليست مسيئة”، مشيراً إلى أن “هناك رجال دين قالوا إنها لا تمس بجوهر الإيمان المسيحي”. وأضاف: “هناك أهبل نشر فيديو يحمل السكاكين وهو يهدّد ماريو بالقتل بأسلوب داعشي. في النهاية استُدعي ماريو إلى التحقيق، بينما تُرك الآخر حرّاً طليقاً (…) إن كانت لا تحرّض على العنف، كيف يمكن لنكتة أن تهدّد المجتمع؟”.

لم يواجه أشقر ملاحقات قضائية، لكنه تعرض لأكثر من حملة تحريض إلكتروني. وبناء على تجربته، رأى أن هذه الحملات غير عفوية وموجّهة، وتعمل عبر حسابات وهمية على تحريض الجمهور المحتقن سياسياً وطائفياً للانخراط في الهجوم على الكوميديين، لافتاً إلى أن الأشخاص المشاركين يكونون في كثير من الأحيان غير مطلعين أصلاً على المقاطع التي أثارت المشكلة، لكنهم ينجرفون نتيجة التحريض. ورأى أشقر أن “هناك دولة عميقة في لبنان تقف خلف هذه الملاحقات، وهي نفسها من تمنع القيام بأي تغيير حقيقي في البلاد”. أضاف: “يكفي أن يتصل رجل دين بضابط حتى يصير هناك ملف قضائي ضد الكوميدي”.

في الوقت نفسه، عبّر أشقر عن وعيه بحساسية الأمور في لبنان، قائلاً: “مجتمعنا غير معتاد على النقد أو الانتقاد، وهناك 18 طائفة كلّها منغلقة على نفسها وشديدة الحساسية”، مشيراً إلى أن “جزءاً كبيراً من الغضب الطائفي الذي يواجهه الكوميديون ينطلق من فكرة أنك تفضحنا أمام الطوائف الأخرى”. من جهته، أكد العوجي عن رفضه التام للرقابة على الأعمال الفنية أو ملاحقة الكوميديين بسبب نكاتهم، لكنه لفت إلى أن ما جرى مع بعضهم “كان من الممكن تجنبه لو صيغت النكات بشكل أذكى”. وأوضح: “هناك تراخٍ في تحضير النصوص أحياناً لأنها تهدف لانتزاع الضحكة من الجمهور، من دون أن تفكّر في كيفية تحدّي السلطة بذكاء”.

بالنسبة إلى أشقر، “الستاند أب كوميدي يعتمد على بناء ثقة مجتمعية”، ويستعين بمنطق العلاقات العاطفية لتوضيح فكرته: “في بداية التعارف على فتاة لن تخبرها بكل مشاكل حياتك وآرائك حول الدنيا. لكن مع تعمّق العلاقة وبناء الثقة، تبدأ تدريجياً بمشاركتها أفكارك ومشاعرك وتصوراتك عن أمور معينة. الأمر نفسه ينطبق على العلاقة بالجمهور”. وفي حال اختار الكوميدي منذ البداية التطرّق إلى قضايا حساسة مثل السياسة والدين، فقد يؤدي ذلك إلى انعكاسات سلبية عليه، وفق أشقر، الذي قال إنه “عوّد الجمهور على أسلوبه ونكاته، وتدرّج في رفع حدّة النقد أو الجرأة”. لكنّه في الوقت نفسه أكّد أنه “أنجز مرحلة بناء الثقة مع الجمهور”، موضحاً أن الحملات المتتالية التي واجهها زملاؤه دفعته إلى اتخاذ قرار بـ”عدم حذف أي نكتة أو مقطع بعد الآن مهما كانت التبعات الأمنية أو القضائية”.

عرض ستاند أب كوميدي في بيروت، 15 ديسمبر 2020 (جوزيف عيد/ فرانس برس)

المستقبل

على الرغم من هذه العقبات، فإن المجال يزدهر في السنوات الأخيرة، وصار الكوميديون يحصلون على حضور وفرص لم تكن متاحة من قبل، ما دفع بعضهم، ومنهم أشقر، إلى التفرّغ بشكل كامل للستاند أب. وقال أشقر: “قررت عام 2023 أن الستاند أب هو مهنتي وأنني قادر على العيش منها”، وأضاف: “كثير من الناس يظنون أن عملنا يقوم على الصعود إلى المسرح وارتجال بضعة نكات. أما في الواقع فهو يتطلب الكثير من الجهد. في الوقت الحالي يعمل معي عشرة أشخاص بدوام كامل في تحضير العروض وإنتاجها وترويجها، هناك مؤسسة كاملة”.

لكن عوجي عبّر عن شكوكه في قدرة الستاند أب على التطوّر من الناحية الفنية، مشيراً إلى أن الرغبة في جذب الجمهور وإضحاكه هي ما يحرّك غالبية الكوميديين، بعيداً عن أي رؤية فنية. في المقابل، رأى أشقر أن التحدي يكمن في “إيجاد توازن بين أن تكون حقيقياً فيما تقدمه من دون التخلي عن شخصيتك، وفي الوقت نفسه قادراً على جذب جمهور أوسع”، مؤكداً أن الستاند أب “نصفه فن ونصفه بزنس”. وتابع: “على الكوميدي أن يكون قادراً على التأقلم والتجديد لتحقيق دخل من هذا العمل. لا يمكنك القول هذه مواضيعي وهذا أسلوبي ولا يهمني رأي الجمهور”.

وأشار الكوميدي اللبناني إلى أنه اتخذ قراراً عن سابق تصوّر وتصميم “بأنني لا أريد أن أكون كوميدي مسيحي لبناني يتطرق إلى مواضيع مرتبطة بالمجتمع المسيحي حصراً”، مختاراً الخروج إلى أفق أوسع وجمهور جديد، ولافتاً إلى تقديمه عروضاً في تونس والمغرب وسورية أخيراً أمام جمهور غير لبناني. وختم: “في الستاند أب كوميدي لا يمكنك أن تقول أنا عبقري لكن الجمهور لا يفهمني وربما سيفهمني بعد 10 سنوات، كما في أنواع أخرى من الفنون. لأن الستاند أب ببساطة يقوم على العلاقة المباشرة في اللحظة الآنية بيني وبين الناس”.