خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

الناتو وروسيا ـ هل يتجه الحلف نحو رفع الإنفاق الدفاعي إلى “10%”؟

هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها دون مساعدة الولايات المتحدة؟ يستبعد الأمين العام لحلف الناتو مارك روته هذا الاحتمال، ويبرر قراره بنقطة حاسمة واحدة. حيث استبعد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، إمكانية قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها دون مساعدة أمريكية في المستقبل المنظور. أكد روته لأعضاء البرلمان الأوروبي في بروكسل، : “استمروا في أحلامكم، لا يمكننا فعل ذلك”. وأضاف الأمين العام لحلف الناتو، أن أوروبا ستفقد في مثل هذا السيناريو المظلة النووية الأمريكية، قائلًا: “حظًا سعيدًا”. ففي أوروبا، وفي ضوء التهديدات التي أطلقتها واشنطن في النزاع على غرينلاند، التابعة للدنمارك، تصاعدت الدعوات لإنهاء التبعية للولايات المتحدة، بما في ذلك في قطاع الدفاع. وبمساعدة روته، تم التوصل إلى تسوية مؤقتة للنزاع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. سبق أن دعا ترامب مرارًا وتكرارًا إلى سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند. واستشهد بالمصالح الأمنية كمبرر، مشيرًا إلى تزايد نشاط روسيا والصين في المنطقة.

روته، حاجة إلى “عشرة بالمئة” بدلًا من خمسة بالمئة

أكد روته إنه إذا أرادت أوروبا حقًا “الانفراد”، فسيتعين على الدول الأعضاء زيادة الإنفاق الدفاعي إلى عشرة بالمئة، وليس إلى الخمسة بالمئة التي تم الاتفاق عليها في قمة الناتو العام 2025. وأضاف أن بناء قدراتها النووية الخاصة سيكلف “مليارات ومليارات اليورو”. أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن تفاؤله بشأن جاهزية أوروبا الدفاعية. صرح فاديفول في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيرته السويدية ماريا مالمر ستينرغارد في ستوكهولم: “نحن نسير على الطريق الصحيح، بعد أن قررنا تخصيص 5% من ناتجنا المحلي الإجمالي للدفاع. إذا فعلنا ذلك، فسنكون قادرين بطبيعة الحال على الدفاع عن أنفسنا بالطرق التقليدية”. مع ذلك، فإن بناء القدرات النووية “مسألة أكثر تعقيدًا بالفعل”. ستعتمد أوروبا على المظلة النووية الأمريكية لفترة طويلة. لذا، يجب على أوروبا أن تفعل أمرين: “الالتزام بثبات وصدق بتحقيق استقلال أوروبي أكبر”، وفي الوقت نفسه “ضمان استمرار قوة التحالف الدفاعي مع الولايات المتحدة”.

الولايات المتحدة بحاجة إلى الأوروبيين

خلال اجتماعه مع أعضاء لجنتي الدفاع والشؤون الخارجية في البرلمان، أكد روته أن الولايات المتحدة بحاجة إلى الأوروبيين من أجل أمنها، لا سيما في القطب الشمالي. وأضاف: “للولايات المتحدة مصلحة كبيرة في حلف الناتو تمامًا مثل كندا وحلفائها الأوروبيين في الناتو”. بحسب روته، ينطوي الاتفاق الأخير مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند على نهج ذي شقين. وأوضح لأعضاء البرلمان الأوروبي أنهم اتفقوا على مسارين للعمل. يتمثل الأول في تولي حلف الناتو ككل مسؤولية أكبر عن الدفاع عن القطب الشمالي، بهدف منع روسيا والصين من الوصول إلى المنطقة. أما المسار الثاني فيتعلق بمحادثات مباشرة بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند، لا يمكن للحلف المشاركة فيها.

ناشد روته الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي علاوة على ذلك، التحلي بالمرونة في استخدام قرض الـ 90 مليار يورو المخصص لأوكرانيا. وأوضح روته لأعضاء البرلمان الأوروبي أنه لا ينبغي للاتحاد الأوروبي بأي حال من الأحوال أن يصر على استخدام هذه الأموال حصريًا لشراء الأسلحة من داخل الاتحاد، وفقًا لمبدأ “الشراء من الاتحاد الأوروبي”. وأضاف أنه، على الرغم من أن أوروبا تعمل على توسيع صناعتها الدفاعية، فإنها لا تستطيع حتى الآن توفير ما يكفي من احتياجات أوكرانيا “اليوم للدفاع، وغدًا للردع”.

أعرب الأمين العام لحلف الناتو، روته، عن تشككه في فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد. وحذر من أن وجود قوة دفاعية أوروبية، بالإضافة إلى القوات المسلحة الوطنية، سيؤدي إلى “ازدواجية كبيرة”، مضيفًا: “سيزيد الأمر تعقيدًا”. في المقابل، قال إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “سيرحب بذلك”.

النتائج

تعكس تصريحات الأمين العام لحلف الناتو مارك روته إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسات الأطلسية والأوروبية بأن مشروع الاستقلال الدفاعي الأوروبي ما يزال بعيدًا عن التحقق الفعلي، رغم تصاعد الدعوات السياسية لتحقيقه. ففي المدى المنظور، ستظل أوروبا رهينة المظلة النووية والقدرات العسكرية الأمريكية، ليس فقط بسبب فجوة التسليح والجاهزية، بل كذلك بسبب غياب رؤية استراتيجية موحدة بين الدول الأوروبية حول طبيعة التهديدات وأولويات الردع.

من المتوقع أن يؤدي استمرار الضغوط الأمريكية على الحلفاء لرفع الإنفاق الدفاعي إلى تسريع برامج التسلح الأوروبية، إلا أن الوصول إلى مستويات إنفاق تتجاوز خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي سيواجه مقاومة داخلية في العديد من الدول، بفعل التحديات الاقتصادية والاجتماعية. وهذا يعني أن مسار بناء قوة دفاع أوروبية مستقلة سيبقى تدريجيًا وبطيئًا، ما يطيل أمد الاعتماد على الولايات المتحدة لعقد قادم على الأقل.

من المرجح أن تستغل روسيا والصين أي تباين داخل الموقف الأوروبي الأطلسي لتعزيز نفوذهما في مناطق استراتيجية، مثل القطب الشمالي وشرق أوروبا والبلقان. ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، ستجد أوروبا نفسها مضطرة إلى الموازنة بين دعم كييف والحفاظ على مخزونها العسكري المحدود، ما سيعزز الحاجة إلى شراكات دفاعية مرنة خارج الإطار الأوروبي الصرف.

من المحتمل أن يبقى مشروع الجيش الأوروبي الموحد فكرة حاضرة في الخطاب، لكنه سيصطدم بعوائق السيادة الوطنية وتضارب المصالح الصناعية والعسكرية بين الدول الكبرى. وفي حال عودة نزعة الانعزال الأمريكي مستقبلًا، قد تواجه أوروبا اختبارًا وجوديًا يدفعها إلى تسريع بناء قدراتها الذاتية تحت ضغط الضرورة لا القناعة.

يمكن القول أن أوروبا تتجه نحو استقلال دفاعي جزئي، لا كامل، مع استمرار الناتو كضامن أساسي للأمن الجماعي. وسيظل التوازن بين الاعتماد على الولايات المتحدة وبناء القدرات الذاتية هو العنوان المركزي للأمن الأوروبي في السنوات المقبلة.

رابط مختصر..  https://www.europarabct.com/?p=114243