المقرّبون من الشاعر محمود درويش، كانوا يصنعون جزءاً من حكايته مع النساء أو غرامياته أو حميمياته أو علاقاته، يجعلونها متشعبة متشابكة درامية وساذجة، يتكلّمون وكأنهم الناطقون بلسان العاشق أو الزعيم العاشق، يقدمون ما لم يعترف به الشاعر، ربما اعترف به لهم. أحياناً ينسجون الحكاية استناداً إلى قصيدة، أو إلى خبرية وهمسة من هنا وهناك، يتلذذون بغراميات النجم يتلصصون عليه يراقبون حركات يده ومواعيده وجلساته، يتنافسون على سرد سيرته ويومياته.

 

تقول الحكاية أو العجالات الصحافية أنه في منتصف الثمانينيات، وتحديداً عام 1983، تعرّف محمود درويش إلى فتاة حسناء، قيل إنه التقاها صدفة في منزل صديقة مشتركة(والله أعلم)، وطوال السهرة “لم يرفع عينيه عنها”، هكذا كُتب، ولجأ إلى حيلة بأن طلب من الصديقة المشتركة أن تقبل دعوته هي وكل من كان في بيتها، فجاءوا جميعاً ما عدا تلك الحسناء التي جذبته، قيل إنه في تلك الفترة كتب محمود قصيدة في “الانتظار يصيبني هوس برصد الاحتمالات الكثيرة”. وهي إحدى قصائد محمود درويش البارزة، التي ربما تلهف البعض لسماعها والتنغم بكلماتها:
انتظرها
بكأس الشراب المرصَّع باللازوردِ
انتظرها.. على بركة الماء حول المساء وزَهْر الكُولُونيا
انتظرها.. بصبر الحصان المُعَدّ لمُنْحَدرات الجبالِ
اُنتظرها.. بذَوْقِ الأمير الرفيع البديع
انتظرها.. بسبعِ وسائدَ مَحْشُوَّةٍ بالسحابِ الخفيفِ
انتظرها

مرّت فترة وكان درويش يزور صديقه، فوجد الحسناء ضيفة عنده، وكان هذا هو اللقاء الثاني، ومن هنا بدأت قصة حب درويش لها الذي انتهى بالزواج، وكانت الحسناء هي المترجمة المصرية حياة الهيني التي تخرجت في مدارس الليسيه ثم في جامعة عين شمس، والدها عصام الهيني صاحب نفوذ قوي… لكن الكاتب الروائي والإعلامي الفلسطيني زياد عبد الفتاح وهو من المقربين من محمود درويش يقول لمجلة “الفيصل” السعودية: “كانت(حياة) تعمل مترجمة فورية في إحدى المنظمات الدولية في فيينا، التقاها في مؤتمر، وتعرّف إليها، وأصبح بينهما علاقة، وعندما زار تونس كان قد وقع في حبّها”.

 

كان زواج دوريش منها مفاجئاً وسريعاً ولم يخبر به أقرب أصدقائه، وفي كتابه “محمود درويش يتذكر”يحكي الكاتب والشاعر اللبناني شربل داغر أنه عندما زار درويش مرة في شقته بباريس المطلة على برج إيفل فوجئ بزوجته الجديدة: “هذا ما حصل فعلًا في تلك الزيارة، إذ انتبهتُ، بمجرّد دخولي إلى صالونه المترع بلونه الأبيض، إلى قيام سيدة فارعة الطول، وجميلة للغاية، لاستقبالي، لم أنقطع عن النظر إليها بعد جلوسي: مَن تكون؟ فكان أن بادَرَني: توقف، شربل.. إنها زوجتي. لم أصدقْه، أهي مزحة جديدة؟ ثم راح، أمام ابتسامتي غير المبالية بكلامه الأخير، يعرِّفني بها: إنها حياة الهيني. تعمل في اليونسكو، في “الترجمة الفورية”، وهي صديقة صديقك المترجم مصطفى مرجان، المصري”. يقول زياد عبد الفتاح “كانت المصرية حياة الهيني أكثر غيرةً من السورية رنا قباني (الزوجة الأولى لدرويش) على الرغم من أنه كان مُرتاحًا معها…. جاءني يومًا إلى البيت وكان متوترًا، وكشف لي حبه لها، فقلت له: تزوجها. فجلس يبكي قائلًا: أنا لا أصلح زوجًا لأن لدي شروطي التي ترفضها أية امرأة. أنت تعرفني لا أريد الأولاد، لا أتحمل أن يبكي ابني أو يمرض، أصبح كالمجنون، أنا كالزجاج في هذه المسألة هشّ وسهل الكسر، يكسرني الأطفال، على الرغم من أنه كان يحب أبناء أصدقائه”. 

 

ولم يستمر الزواج طويلاً بين الشاعر والمترجمة.

يكتب نبيل عمرو في كتابه “محمود درويش في حكايات شخصية”: سئل محمود ذات مرة، ما هو السبب الأهم للطلاق؟
أجاب… الزواج”. يضيف نبيل عمرو “كما يعرف اصدقاؤه، فقد تزوج مرتين، وكما كتب استقالته من الموقع القيادي الرسمي قبل ان يتسلمه، فقد كان ومنذ اليوم الاول للزواج يفتش عن ذريعة للطلاق، كان تفسيره لكرهه الزواج، بسيطًا ونمطيًا، ولا ينطوي عن فلسفة استثنائية، هو ذات التفسير الذي يقدمه الذين يتزوجون ثم يطلقون، الحرية، عدم تحمل مسؤولية العناية بالأسرة والأطفال”، والشاعر الذي يكره الزواج لأنه السبب الوحيد للطلاق “كان يحب الاعراس، شريطة أن لا يكون هو العريس، وكان يبتهج بزواج سبقه قصة حب لصديق، الا أن له تحذيراً دائماً، لقد تسرعت يا صديقي في إطفاء النار اللذيذة”.

وتتشعب حكاية حياة المترجمة ومحمود الشاعر ربما من باب التشويق الصحافي والإثارة التي تلاحق النجوم، قيل إن محمود درويش التقي بالوزير المصري السابق والفنان فاروق حسني وسارت بينهما صداقة طويلة حتى رحيل درويش، وكثرت بينهما الحكايات والذكريات، التي من بينها قصة حياة الهيني التي أحبّها فاروق ودوريش، وفاز بها الثاني حينما أقنعها بالزواج منه، أو اقتنعت.

تلك الحكاية التي قصّها محمود درويش لعدد من أصدقائه من بينهم الشاعر المصري أحمد الشهاوي في الجلسات والسهرات الكثيرة التي جمعته به، في زياراته للقاهرة كان محمود درويش يلتقى برجلين يشعر تجاههما تحديداً بامتنان خاص، يتناول الغداء على مائدة الصحافي محمد حسنين هيكل ويزور بيت الناقد رجاء النقاش أحد أبرز من روج لدرويش في الستينيات والسبعينيات، وفي واحدة من تلك الزيارات اتفق معه أحمد الشهاوي أن يدعوه للعشاء، وقبل الموعد المحدّد فوجئ بدرويش يعتذر ويؤجل الموعد لارتباطه بعشاء طارئ، سأله الشهاوي بفضول: مين ده اللي أهم مني رحت تتعشى معاه؟.. وأمام إلحاحه أجابه درويش همسًا في التلفون: أنا عند فاروق حسني.

ولم يملك الشهاوي نفسه وصاح فيه: رايح لفاروق حسني برجلك.. مش خايف يقتلك؟ ولم يملك محمود درويش نفسه فانفجر في نوبة من الضحك. وكان يقصد أنه “خطف” منه حبيبته.

ويقول درويش عن علاقته بحياة الهيني: “لم نُصب بأي جراح، انفصلنا بسلام، لم أتزوّج مرة ثالثة ولن أتزوج، إنني مدمن الوحدة، لم أشأ أبدا أن يكون لي أولاد، وقد أكون خائفاً من المسؤولية، ما أحتاجه استقرار أكثر، أغيّر رأيي، أمكنتي، أساليب كتابتي، الشعر محور حياتي، ما يساعد شعري أفعله وما يضره أتجنبه”. وتقول حياة الهيني عن انفصالهما بحسب المعلومات المتداولة: “التقينا محبين وافترقنا محبين”. تحكي أن درويش كان يضع لها وردة حمراء كل يوم على السرير، ما عدا لو كان بينهم بعض الضيق أو الضجر .
تحكي أنه في يوم بعد العشاء قال لها إنه كتب قصيدة لها، وجلس يلقي عليها الشعر كالندى، وتكمل القصة فتقول إن الفنان مارسيل خليفة عندما سمع القصيدة طلب غناءها، ولكنه فوجئ بالرفض القاطع من درويش وقال له هذه قصيدة شخصية، واستمر مارسيل في تكرار الطلب دون أن يمل، واستمر درويش في الرفض، إلا أن درويش قبل ذهابه إلى أميركا لدخول غرفة العمليات ولأنه كان يعلم أنه لن يرجع إلا في تابوت، اتصل بمارسيل وطلب منه أن يلحن القصيدة ويغنيها، ففعل مارسيل، ومات درويش قبل أن يسمعها.

كانت قصيدة:

يطير الحمامُ
يطيرُ الحمامُ
يَحُطُّ الحمامُ
أعدِّي لِيَ الأرضَ كي أستريحَ
فإني أُحبُّكِ حتى التَعَبْ …
صباحك فاكهةٌ للأغاني
وهذا المساءُ ذَهَبْ
ونحن لنا حين يدخل ظِلٌّ إلى ظِلِّه في الرخامِ
وأُشْبِهُ نَفْسِيَ حين أُعلِّقُ نفسي
على عُنُقٍ لا تُعَانِقُ غَيرَ الغَمامِ
وأنتِ الهواءُ الذي يتعرَّى أمامي كدمع العِنَبْ
وأنت بدايةُ عائلة الموج حين تَشَبَّثَ بالبرِّ
حين اغتربْ
وإني أُحبُّكِ، أنتِ بدايةُ روحي، وأنت الختامُ
يطير الحمامُ
يَحُطُّ الحمامُ
أنا وحبيبيَ صوتان في شَفَةٍ واحدهْ
أنا لحبيبي أنا. وحبيبي لنجمته الشاردهْ
وندخل في الحُلْمِ، لكنَّهُ يَتَبَاطَأُ كي لا نراهُ
وحين ينامُ حبيبيَ أصحو لكي أحرس الحُلْمَ مما يراهُ
وأطردُ عنه الليالي التي عبرتْ قبل أن نلتقي
وأختارُ أيَّامنا بيديّ
كما اختار لي وردةَ المائدهْ
فَنَمْ يا حبيبي
ليصعد صوتُ البحار إلى ركبتيّ
وَنَمْ يا حبيبي
لأهبط فيك وأُنقذَ حُلْمَكَ من شوكةٍ حاسدهْ
وَنَمْ يا حبيبي
عليكَ ضفائر شعري، عليك السلامُ
يطيرُ الحمامُ
يَحُطُّ الحمامُ
رأيتُ على البحر إبريلَ
قلتُ: نسيتِ انتباه يديكِ
نسيتِ التراتيلَ فوق جروحي
فَكَمْ مَرَّةً تستطيعينَ أن تُولَدي في منامي
وَكَمْ مَرَّةً تستطيعين أن تقتليني لأصْرُخَ: إني أحبُّكِ
كي تستريحي؟
أناديكِ قبل الكلامِ
أطير بخصركِ قبل وصولي إليكِ
فكم مَرَّةً تستطيعين أن تَضَعِي في مناقير هذا الحمامِ
عناوينَ روحي
وأن تختفي كالمدى في السفوحِ
لأدرك أنَّكِ بابلُ، مصرُ، وشامُ